الأدلة والمقاصد والتطبيقات
يقف بعض الناس مُنَصِّبًا نفسه حاكمًا على سرائر الناس وتصرفاتهم، يمسك عصًا يشير بها إلى من يمر ذات اليمين وإلى من يُقذف ذات الشمال، وكأنه -بعدًا له- قد اطلع على من قال فيهم عز وجل: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [1] ؛ هكذا يفكر بعض من يدعي الالتزام، يَحْكم على نفسه بالنجاة، ويُنَصِّبها قاضيةً بين الناس، تُثني على المحسنين، وتُقَرِّع العصاة وتُبَكِّتُ المسيئين.
لكن الواقع الذي جاءت به هذه الشريعة السمحة، هو الرحمة بالعصاة، واللين معهم والرفق بهم، ما دامت الأعمال بالخواتيم؛ لأن الملتزم أو الداعية لا يجزم بقبول أعماله، فضلًا عن أن يدري هل سيستمر على حاله أم لا؟ كما لا يعلم خلوات العاصي وخبيئته، فضلًا عن أن يعرف مصيره وخاتمته. فصار حريًا به لزوم حسن الظن، والتخلق بالرحمة، والرغبة الحثيثة في هداية الدلالة والإرشاد؛ كيف لا، والقرآن الكريم مليءٌ بالنماذج التي تعلمنا كيفية التعامل مع العصاة، ولماذا لا، والسنة النبوية مدرسةٌ للعناية بالمنحرفين ودعوتهم بالتي هي أحسن. ونتيجة هذين الوحيين هو تلك الزرافات التي كانت تدخل في هذا الدين تترى، هي تلك الفئات من المسيئين الذي كانوا يتوبون من المعاصي جراء فقه الصحابة في الدعوة ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
فالواجب والمناسب هو أن نفتش في أنفسنا كيف ننقذ إخواننا العصاة، لا ازدراؤهم وامتهانهم؛ ولا يتأتى ذلك إلى بزرع بذور شجرة الرحمة بالمذنبين في قلوبنا، لتنطلق فروعها متتبعةً كل عاصٍ، يُستشفى بثمارها، ويستظل بظلالها.
وتتجلى مشكلة البحث في أن العصاة يقومون بالأعمال المشينة، والمتبادر للذهن أن تُقابل بالزجر والتأنيب، فكيف يدعو الباحث إلى الرحمة والإحسان؟. بعبارةٍ أخرى كيف يمكن الموازنة بين موطن التأديب وموطن التقريب في التعامل مع العصاة؟، وعليه فإن التنزيل العملي لمبدأ الرحمة بالمذنبين يتطلب الصبر والحكمة، وقلما يجتمعان في الداعية فما بالنا بغيره من عوام الناس؟.
ويهدف هذا البحث إلى ما يلي:
-الكشف عن حاجة العصاة إلى الرحمة والاحتواء.
-نقد أساليب التعامل مع العصاة.
-بيان الهدي القرآني والنبوي في التعامل مع العصاة.
-إبراز الشق المقاصدي في التعامل مع العصاة.
-إظهار المظاهر والتطبيقات العملية للرحمة بالعصاة.
(1) سورة الشورى، جزء من الآية:7.