مثل الذي هو به، لو حملناه إليك لتفسخت عظامه، ما هو إلا جلد على عظم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذوا له مئة شمراخ، فيضربوه بها ضربة واحدة [1] .
وهذا مخرجٌ تحقق فيه الإبقاء على إقامة الحد وعدم تعطيله، مع مراعاة حال المحدود وتفادي إهلاكه.
تحظى وسائل الإعلام بمتابعة كثيرٍ من الناس، بالأخص لما ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، التي سهلت انتشار المعلومة بشكلٍ أنجع وأسرع، لا سيما وأن المتابعين لهذه المنابر فيهم الصالحون والطالحون، ومنهم العصاة، فناسب استثمار هذه المجالات في نظر الباحث عبر محورين:
المحور الأول: دعوة الناس عبر هذه القنوات إلى الرفق بالعصاة واحترامهم.
المحور الثاني: تنزيل ذلك وتطبيقه في التحاور مع العصاة في هذه المجالات، لأن التعنيف والتقريع لا يجدي شيئًا، بل قد يزيد المخالف أو العاصي بعدًا وعصيانًا.
وتعتبر مواقع التواصل الاجتماعي من الأمور التي انتشر التعامل بها بين الناس، وهي مجالٌ مهمٌ للتعارف وتبادل المعلومات كما أنها مجالٌ لوقوع المشاحنات وارتكاب المعاصي والموبقات، فنجد العديد من المبتلين هدانا الله وإياهم يستثمرون هذه الشبكات في معاكسة النساء وربط العلاقات المحرمة، أو في القيام بالعمليات الإرهابية ونحو ذلك، وحقٌّ على من ابتلي بمحاورة هذه النماذج أن يتلطف ويلين ويتخلق بخلق الأنبياء، لعله يستميل هؤلاء العصاة إلى الحق، فلعل ما يلمسونه من الحجة البالغة الممزوجة بالرحمة والحكمة يكون سببًا في الهداية وفي تأليف القلوب وكف الأذى عن المسلمين.
ثالثًا: الأماكن العامة.
تحظى الأماكن العامة بتواجد فئاتٍ مختلفةٍ من الناس، وهي مظانٌّ للتعامل مع العصاة، وفي الوقت نفسه هي فرصةٌ سانحةٌ لرحمتهم ودعوتهم. لكن المُشاهَد والمعيش خلاف ذلك، إذ إن الناس يعاملون العصاة إما بالاحتقار والازدراء وإما بالمثل، فيتسع الشرخ، ويزداد العصاة حقدًا، ويزداد المتعاملون معهم جهلًا وتكبرًا.
رابعًا: تربية الأطفال على هذا الخلق، فإذا زرعنا في أولادنا احتقار العصاة فسيترعرعون على ذلك، ويصعب اجتثاته منهم في الكبر، لكن إذا رُبوا على الرحمة فسيرحمون العصاة ويستميلونهم إلى الحق، فكما قال الشاعر:
مشى الطاووس يومًا باختيال فقلد شكل مشيته بنوه
فقال عَلامَ تختالون قالوا بدأت به ونحن مُقَلِّدوه
فخالِف سيرَكَ المعوج واعدل فإنا إن عَدَلتَ مُعَدِلوه
(1) أخرجه أبو داود في سننه، أول كتاب الحدود، باب في إقامة الحد على المريض، مرجع سابق، 6/ 520. وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الرحم، ذكر الاختلاف على يعقوب بن عبد الله بن الأشج فيه، مرجع سابق، 6/ 473. وأخرجه ابن ماجه في سننه، أبواب الحدود، باب الكبير والمريض يجب عليه الحد، 3/ 605. وأخرجه أحمد في مسنده، مرجع سابق، 36/ 263.
صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، مرجع سابق، 6/ 1215.