الصفحة 12 من 36

ويوضح لنا هذا قوله جل جلاله: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ} [1] . قال وهبة الزحيلي -بتصرف-:"إن الله يغفر للنّاس مع ظلمهم أنفسهم باكتساب الذنوب، حتى قال ابن عباس: ليس في القرآن آية أرجى من هذه، وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ للعصاة. ويلاحظ أنه تعالى قرن حكم المغفرة والرحمة بأنه شديد العقاب، كما هو شأن القرآن كثيرا، ليعتدل الرجاء والخوف، وليكون الإنسان بين الأمل والحذر، ... روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيّب قال: لما نزلت هذه الآية: وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا عفو الله ورحمته وتجاوزه، ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيده وعقابه لاتّكل كل أحد» " [2] :يا لها من رحمةٍ واسعةٍ وحجةٍ بالغةٍ، الناس يبادرونه بالظلم والعصيان وهو يبادرهم إذا عادوا بالرحمة والغفران؛ وحتى لا يسوفوا ويزيدوا في الطغيان، يحذرهم في الوقت نفسه من عذابه ومن النيران.

الفرع الثاني: نماذج من السنة النبوية.

إنه نبي الرحمة نبي الأمان، سيرته كلها دروس في الرفق بالمذنبين والعصاة، لا يعنفهم ولا يبكتهم ولا يحتقرهم، يعظهم ويفتح لهم باب الأمل والتوبة والأوبة، ولو كتبنا ما كتبنا حول رأفته بالخلق عامةً وبالمفرطين بالأخص، لما أعطيناه حقه ولا بينا ما حباه الله به من الحنان؛ لكن هذا ليس مانعًا من سرد بعض النماذج التي تنوب عن مثيلاتها، ومن ذلك:

أولًا: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا، ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ، فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: هَلْ مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: لاَ، فَقَتَلَهُ، فَجَعَلَ يَسْأَلُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فَأَدْرَكَهُ المَوْتُ، فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ العَذَابِ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا، فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ، فَغُفِرَ لَهُ" [3] .

وفي ظَفَر ملائكة الرحمة بملائكة العذاب إشارةٌ إلى الرحمة بالعاصي، وأي عاص هذا؟، إنه رجلٌ قتل مائة نفسٍ،"وفيه تحريضٌ للمذنبين على التوبة، ومنعٌ لهم عن اليأس من رحمة الله تعالى، إذ لا منجا ولا ملجأ، ولا مجير للمذنبين سواه، والله يعفو عن المذنبين، ويتجاوز عنهم، ليعظموا الرغبة في التوبة والاستغفار [4] . فهنا سبقت الرحمة العذاب كما روى أَبو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:"لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ وَهُوَ

(1) سورة الرعد، الآية:6

(2) التفسير المنير، للزحيلي، 13/ 114.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 4/ 174. و أخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 4/ 2119.

(4) الكاشف عن حقائق السنن (شرح على مشكاة المصابيح) ، للطيبي، 6/ 1840.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت