جل وعلا وسعت كل شيء ويدخل في هذا العموم العصاة والمذنبون، ولذلك أوحى إلى رسوله الذي يبلغ عنه بأنه رحمةٌ للعالمين بَرِّهم وفاجرهم ٍكل بحسبه،"قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان محمد صلى الله عليه وسلم رحمةً لجميع الناس فمن آمن به وصدق به سعد، ومن لم يؤمن به سلم مما لحق الأمم من الخسف والغرق؛ وقال ابن زيدٍ: أراد بالعالمين المؤمنين خاصةً" [1] .
فهما إذن رحمتان بالعصاة: رحمةٌ من ربهم بحكم شمولها لكل شيءٍ، ورحمةٌ من نبيه صلى الله عليه وسلم بحكم دخولهم في العالمين، قال الرازي:"ورحمة الرسول كثيرةٌ كما قال تعالى: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين، ورحمة الله غير متناهيةٍ كما قال تعالى: ورحمتي وسعت كل شيء، فكيف يعقل أن يضيع المذنب مع هذه البحار الزاخرة العشرة المملوءة من الرحمة؟" [2] .
رابعًا: قال تعالى: {فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} [3] ، يأمر الله جل وعلا نبيه بأن يخبر من كذبه بأن رحمته واسعة تسعهم رغم كفرهم، فكيف بالمؤمنين العصاة؟، فرحمته تسع المسيء والمحسن ولا يعاجل من كفر به بالعقوبة، ولا من عصاه بالنقمة [4] ، قال أبو زهرة:"يخاطب الله نبيه الكريم بقوله: فَإِن كذَّبُوكَ كافرين برسالتك، فلا تجعلهم في يأسٍ من أن يتوبوا، وينتهوا من كفرهم إلى إيمانٍ بربهم، وقل لهم عن ربك فاتحًا باب التوبة والإيمان من غير أن تؤيسهم: رَبُكمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَة، أي صاحب رحمةٍ وسعت كل الوجود أنعم على الناس بالوجود، والنعم المترادفة لعصاتهم والطائعين فيهم، وقد فتح باب التوبة للعصاة، والثواب ثابتٌ للطائعين" [5] .
وفي هذا الصدد يقول رب العزة والجلال: {وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ} [6] ، فالله سبحانه لا يعجزه القضاء على الكفار والعصاة، لكنه بلغ من الرحمة غايتها بإمهالهم إلى حين بلوغ آجالهم لعلهم يرجعون، قال ابن كثير:"وهذا استثناء منقطع تقديره ولكن برحمتنا نسيركم في البر والبحر، ونسلمكم إلى أجلٍ مسمى، ولهذا قال تعالى: ومتاعًا إلى حين، أي إلى وقتٍ معلومٍ عند الله عز وجل" [7] .
(1) تفسير القرطبي، 11/ 350.
(2) تفسير الرازي،1/ 241.
(3) سورة الأنعام، الآية:147
(4) التفسير الوسيط للقرآن الكريم، لمحمد سيد طنطاوي، 5/ 205. ولباب التأويل في معاني التنزيل، للخازن، 2/ 169.
(5) زهرة التفاسير، لأبي زهرة، 5/ 2718.
(6) سورة يس، الآية:43.
(7) تفسير ابن كثير، 6/ 516.