ونستفيد من كلام أبي الدرداء تطبيقاتٍ ثلاثًا:
أ. عدم سب العاصي أو الشماتة به أو التشفي فيه.
ب. حمد الله تعالى الذي عافى من تلك المعصية.
ت. بغض المعصية نفسها لا العاصي.
ومن النماذج المعاصرة ما يروى عن ابن باز من قصص في تعامله مع العصاة والمخالفين ومنها قصتان:
القصة الأولى: كان شابٌ يعمل حارسًا في أحد المصانع بالطائف، وجاءه رسالة من باكستان تخبره أن والدته محتاجةٌ لعملية زرع كليةٍ بسبعة آلاف ريال سعودي وإذا لم تجر العملية خلال أسبوع ربما تموت، ولم يجد المبلغ، فقرر القفز لأحد المنازل المجاورة للمصنع ليلًا فأمسك به رجال الشرطة، فأمر رب البيت الشرطة بإحضاره وقال:"أكيد، لم يسرق إلا هو محتاجٌ"، وقبل صلاة الفجر إذا بهم يرجعونه إلى المنزل الذي كان ينوي سرقة أسطوانات الغاز منه، فقُدم له طعامٌ، وعندما أذن الفجر إذا برجل كبير السن يأخذه معه للمسجد، وبعد الصلاة يلتف حوله الناس، فعرف أنه الشيخ ابن باز، وبعد الدرس أخذوه إلى المنزل وأجلسه الشيخ بجواره، وسأله عن سبب السرقة فأخبره، فأعطاه تسعة آلاف ريال، وأجرت والده العملية وتعافت بحمد الله. ولما عاد إلى السعودية أعطى الشيخ الباقي لكنه رفض أخذه، وطلب من الشيخ أن يعمل عنده خادمًا فقبل.
القصة الثانية: جاء رجل محتاج فأعطاه الشيخ شيكًا فيه ألفي ريال، فأضاف صفرًا رابعًا لتصير عشرين ألف ولم يغير كتابة المبلغ بالحروف، ولما ضبط في المصرف حملوه إلى الشيخ، قال:"ما كتبها إلا وهو محتاجها"، وأمر بأن يصرف له المبلغ الذي زوره، وقد سأل الراوي الشيخ عن صحة القصة فأكده بل وذكر أن هذا الرجل تاب وصار إمامًا بالرياض، وعاد إلى الشيخ بفارق المبلغ وهو ثمانية عشر ألف ريال، لكن الشيخ قال له أعطها لمحتاجٍ كما كنت محتاجًا [1] .
بعدما اتضحت لدينا أهمية الرحمة بالعصاة وأدلتها ومقاصدها وبعض نماذجها، سيمر الباحث إلى مقترحاتٍ وتطبيقاتٍ يتوق من خلالها إلى نشر هذا الخلق العظيم، ومنها:
أولًا: إيجاد المخارج الشرعية للعصاة رحمة بهم [2] .
عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار: أنه اشتكى رجلٌ منهم حتى أضني، فعاد جلدة على عظم، فدخلت عليه جارية لبعضهم، فهش لها، فوقع عليها، فلما دخل عليه رجال قومه يعودونه أخبرهم بذلك، وقال: استفتوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني قد وقعت على جارية دخلت علي، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا: ما رأينا بأحدٍ من الناس من الضر
(2) كَيف عَاملهُم صلى الله عليه وسلم، مرجع سابق، ص 684.