الصفحة 26 من 36

سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ:"مَا هِيَ"، قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [1] ، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ - وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ"، قَالَ: لاَ، قَالَ:"ذَاكَ شَيْطَانٌ" [2] .

والشاهد من الدليل هو قول أبي هريرة فرحمته، أمسك به المرة الأولى وتجاوز عنه وكرر فعلته مرة أخرى فعفا عنه، وأعاد الكرة مرةً ثالثةً، ومع كل هذا كان يخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن العاصي سيعود، وسبحان الله يرحمه أبو هريرة رضي الله عنه رغم تكرار المعصية.

وفي قصة علي وابن عباس مع الخوارج أنموذجٌ للرحمة بالعاصي رغم القدرة عليه، فعلي رضي الله عنه لحقه من الخوارج ما لحقه، وأقدره الله عليهم، لكنه لم يقض عليهم وإنما ذهب إليهم ابن عباس رضي الله عنه ليحاورهم ويناظرهم لعلهم يتقون،

قال عبد الله بن عباس:"لما خرجت الحرورية اعتزلوا في دار، وكانوا ستة آلاف"، فقلت لعلي: يا أمير المؤمنين"أبرد بالصلاة، لعلي أكلم هؤلاء القوم"قال:"إني أخافهم عليك"قلت: كلا، فلبست، وترجلت، ودخلت عليهم في دار نصف النهار، وهم يأكلون فقالوا:"مرحبا بك يا ابن عباس، فما جاء بك؟"قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين، والأنصار، ومن عند ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد، لأبلغكم ما يقولون، وأبلغهم ما تقولون، فناظرهم مناظرةً طويلةً فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم، فقتلوا على ضلالتهم، فقتلهم المهاجرون والأنصار" [3] ."

وهذا أنموذجٌ صريح للرحمة بالعصاة، بطله قومٌ من الخوارج عصوا الله بالخروج على علي رضي الله عنه، رحمهم ابن عباس رضي الله عنه وناقشهم بالحجة فرجع منهم ألفان من أصل ستة آلاف وقتل الآخرون؛ لقد أنقذت الرحمة بالعصاة ثلثهم بفضل الله.

وحين مُرَّ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ بِرَجُلٍ يُقَادُ فِي حَدٍّ أَصَابَهُ وقد نَالَ الْقَوْمُ مِنْهُ، قَالَ: لَا تَسُبُّوا أَخَاكُمْ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي عَافَاكُمْ، قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ رَأَيْتُمُوهُ فِي قَلِيبٍ أَكُنْتُمْ مُسْتَخْرِجِيهِ؟ قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: فَلَا تَسُبُّوا أَخَاكُمْ، وَاحْمَدُوا اللَّهَ عَلَى الَّذِي عَافَاكُمْ. فَقِيلَ لَهُ أَتُبْغِضُهُ؟ فَقَالَ: إِنِّي لَا أُبْغِضُهُ، وَلَكِنْ أُبْغِضُ عَمَلَهُ، فَإِذَا تَرَكَهُ كَانَ أَخِي [4] .

(1) سورة البقرة، جزء من الآية:255

(2) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 101.

(3) السنن الكبرى للنسائي، 7/ 480.

(4) الزهد، لأبي داود، ص 211.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت