ليس ينبغي لي ولا لك أن نسوس الناس سياسةً واحدةً، أنْ نلين جميعًا فتمرح الناس في المعصية، ولا أن نشد جميعًا فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون للشدة والفظاظة وأكون للين والرأفة والرحمة" [1] . فالتوسع في الزجر من منطلق الصدع بالحق، وعدم المداهنة فيه، لا يخلو من مخالفةٍ لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في النصح، وعدم إحكام لفقه الموازنات، وترجيح المصلحة الشرعية، ودرء المفاسد [2] . فينبغي للمؤمن أن يتسع قلبه رحمةً ورأفةً للعصاة? وأن يرجو لهم الهداية? ولا ينافي ذلك إنكاره للمنكر وبغضه للمعصية؛ فإنه لا يكره العاصي لذاته? وإنما يكرهه لما تلبس به من المعصية [3] ، قال ابن القيم في من شاهد الناس في المعاصي:"أن يقيم معاذير الخلائق وتتسع رحمته لهم? مع إقامة أمر الله فيهم? فيقيم أمر الله فيهم رحمة لهم? لا قسوة وفظاظة عليهم" [4] ، كما أن الغلو في اللين والتلطف في المواطن التي تتطلب الحزم ليس من الكتاب والسنة في شيء."
إن مسألة التعامل مع العصاة تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ مسألة المريض والطبيب والعلاج، فهي مسألةٌ اجتهاديةٌ تحدد حسبما تقتضيه السياسة الشرعية لمصلحة الدعوة إلى الله [5] .
ذكرت الرحمة في القرآن الكريم في مواطن كثيرةٍ منها الرحمة بالعصاة والمذنبين، ومن جهة أخرى فإن الجانب التطبيقي لا يظهر جليا في الآيات مثل السنة لأن التصرفات النبوية هي الجانب التنزيلي للقران؛ وإن حصر هذه النماذج العملية بحاجةٍ إلى رسالةٍ كاملةٍ تجمعها وتتكلم عن تفاسيرها.
كما أن أهمية هذا الموضوع تقتضي اقتراح تطبيقاتٍ عمليةً، ونماذج استشرافيةً، تندرج هي ومثيلاتها ضمن مشروع نشر الرحمة بالعصاة والمذنبين بين الناس.
فهما فرعان إذن:
(1) أساليب دعوة العصاة، مرجع سابق، ص 217.
(2) دليل الواعظ إلى أدلة المواعظ، لشحاتة محمد صقر، 1/ 82.
(3) جواب عن السؤال التالي: وبعض الناس يسبون العصاة و ينظرون إليهم باستحقار بحجة أنهم يستحقون ذلك? فما السبيل الصحيح لدعوة العصاة؟. فتاوى الشبكة الإسلامية، عنوان الفتوى: التوبة تزيل خبث المعصية والعاصي لا يكره لذاته، رقم الفتوى: 262219، تاريخ الفتوى: الثلاثاء 25 رمضان 1435 الموافق ل 22 يوليوز 2014، السؤال: هل الزاني خبيث النفس؟ وكيفية التوفيق بين دخول كل من مات على الإسلام إلى الجنة مهما كان عظم ذنبه ما عدا الكفر وعدم دخول خبيث إلى الجنة؟.
موقع الشبكة الإسلامية (إسلام ويب) : www.islamweb.net
(4) طريق الهجرتين وباب السعادتين، لابن القيم، ص 170.
(5) انظر فضيلة الألفة والأخوة (مخطوطة) الورقة (32) ، وانظر الدرر السنية، 7/ 40 - 41. نقلًا عن الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، 2/ 470 - 471.