إن الرحمة بالعصاة لا ينبغي أن تؤخذ على إطلاقها، وأن يلقى الكلام فيها على عواهنه، بل هناك حالاتٌ تستوجب تدخل الشدة والزجر، ومن ثم فنحن أمام حالةٍ من الموازنة بين الرحمة والشدة في التعامل مع العصاة والمذنبين، والضابط في ذلك هو تحقيق المصالح ودفع المفاسد، وإن كان الأصل هو تغليب جانب الرحمة كما جاء في عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ:"إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الخَلْقَ، كَتَبَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي" [1] ، قال محماس الجلعود:"وإن مداراة أهل الفسق والفجور ليست قاعدةً مطردةً يؤخذ بها في كل وقتٍ وحالٍ، وإنما يجوز العمل بها فقط إذا خيف حصول شرٍ أعظم مما هو كائنٌ، أو مثله، وكان المداري غير قادرٍ على إنكار هذا المنكر بالقول أو الفعل، فيجوز له درء الشر بالقول اللين، أو الإعراض عنه لهذه الأسباب، أما إذا زالت الأسباب الموجبة للمداراة، أو كانت المداراة تؤدي إلى ضرر الغير أو إلى مخالفة أصلٍ من أصول الإسلام وواجباته فإن المداراة حينئذٍ لا تصح ولا تجوز، لأنها انتقلت من كونها مداراة إلى كونها مداهنة" [2] .
فرحمة الله الواسعة والتي يدخل فيها كل عاصٍ لكنه سبحانه توعد العصاة المصرين بالعقاب إذا استحلوا المعصية أو جحدوا وكابروا، فهذه الرحمة لا يجب أن تؤدي إلى
إهمال حق من حقوق الله تعالى أو إلى الإفراط على خلقه. قال الزمخشري:"وَإِنَّا لَصادِقُونَ فيما أوعدنا به العصاة لا نخلفه، كما لا نخلف ما وعدناه أهل الطاعة؛ فلما عصوا وبغوا ألحقنا بهم الوعيد وأحللنا بهم العقاب، فَإِنْ كَذَّبُوكَ في ذلك وزعموا أن الله واسع الرحمة، وأنه لا يؤاخذ بالبغي ويخلف الوعيد جودًا وكرمًا فَقُلْ لهم رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ لأهل طاعته وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ مع سعة رحمته عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ فلا تغترّ برجاء رحمته عن خوف نقمته" [3] .
واذا نظرنا إلى القران الكريم، وإلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته، وسيرة السلف، نجدهم يزجرون العاصي تارةً ويُعْملون أساليب الرحمة والتلطف تارةً أخرى؛ مع اتفاقهم على أن العاصي إذا نصح ولم يتب وجب إظهار البغض له، ما لم يتسبب ذلك في مفسدة أعظم. فالصواب هو الموازنة بين الرحمة والشدة بحسب الحال والمقتضى، كما يدل لذلك قوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [4] ، ومن الأمثلة عليه ما رواه أبو بكر الكوفي قال حدثنا عبد الله بن نمير عن مجالد عن الشعبي قال: قال زياد:"كتب إلي أمير المؤمنين أنه"
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 9/ 125.
(2) الموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية، مرجع سابق، 1/ 226 - 229.
(3) الكشاف، للزمخشري، 2/ 75 - 76.
(4) سورة المائدة، الآية:98