الصفحة 15 من 36

كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ:"وَمَا ذَاكِ؟"، قَالَتْ: إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَ:"آنْتِ؟"، قَالَتْ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهَا:"حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ"، قَالَ: فَكَفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، قَالَ: فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ:"قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ"، فَقَالَ:"إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا [1] .

فقد ارتكب ماعز والغامدية رضي الله عنهما معصية الزنا، وحاول رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستدرجهما ليسترا على نفسيهما رحمةً بهما"لكنهما أصرا على التطهير فرحمهما به، ولننظر كيف رأف بالغامدية في الحمل وكيف تلطف بولدها في الإرضاع. قال ابن رجب:"قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر العصاة، فإن ظهور معاصيهم عيبٌ في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب، ومثل هذا لو جاء تائبا نادما وأقر بحد، ولم يفسره، لم يستفسر، بل يؤمر بأن يرجع ويستر نفسه، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم ماعزًا والغامدية" [2] ، وقال البغوي:"فأما قبل بلوغ الإمام، فإن الشفاعة فيها جائزةٌ حفظًا للستر عليه، فإن الستر على المذنبين مندوبٌ إليه" [3] ."

فهذه نماذج لرحمة العصاة في الدنيا، وأختم بنموذجٍ للرحمة العظمى وهي رحمة أرحم الراحمين في الآخرة، قال صلى الله عليه وسلم:"حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ القَضَاءِ بَيْنَ العِبَادِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ بِرَحْمَتِهِ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ المَلاَئِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ، مَنْ كَانَ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، مِمَّنْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْحَمَهُ، مِمَّنْ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" [4] ، فهؤلاء عصاةٌ كتبت عليهم النار، ومنهم من لم يفعل خيرًا قط، يتفضل عليهم الله بالخروج من النار نعم من النار، والدخول إلى الجنة، نعم إلى الجنة؛ وهذه رحمةٌ بالمذنب الموحد ما بعدها رحمةٌ، بعدما أمهله الله في الدنيا يخرجه من النار ويدخله الجنة في الآخرة.

المطلب الثاني: المقاصد والموازنات في الرحمة بالعصاة.

عندما أمر الشرع بالرحمة بالعصاة رام من وراء ذلك تحقيق مقاصد علمنا منها ما علمنا وجهلنا منها ما جهلنا، على أن ممارسة هذه الرحمة تحتاج إلى إعمال الموازنات وفقه الأولويات، مع التفريق في ذلك بين المداراة والمداهنة. وتفصيل ذلك في الفروع الثلاثة التالية:

الفرع الأول: المقاصد الشرعية من الرحمة بالعصاة.

(1) أخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 3/ 1321.

(2) جامع العلوم والحكم، لابن رجب، 2/ 292.

(3) شرح السنة، للبغوي، 10/ 329.

(4) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 9/ 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت