الصفحة 14 من 36

وأعجبُ من هذا، الشاب الذي قال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا [1] . لنتأمل شابًا واقفًا أمام سيد الخلق، ليستأذنه في معصيةٍ تجلب العار والشنار في الجاهلية فضلًا عن الإسلام، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن نبه الشاب بالرفق واللين، لأن اللين ما كان في شيءٍ إلا زانه، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ:"اللهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ"، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ [2] .، وهذه هي ثمرة الرحمة رجوع العاصي عما هو عليه، أو على الأقل انتفاعه بالذكرى.

رابعًا: عن أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي صَلاَةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ، فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلاَ تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا. فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ:"لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا"يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ [3] .

فبعدما قام هذا الأعرابي بعملٍ مشينٍ من حيث لا يدري، ابتدره الصحابة بالتعنيف، ليستدرك عليهم الرحمة المهداة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويلقنهم درسًا في الرحمة بالمخطئ، مما جعل الأعرابي يسأل الله أن يرحمه ورسول الله صلى الله عليه وسلم وألا يرحم معهما أحدًا، وهنا يعود رسول الله صلى الله عليه وسلم تارةً أخرى ليكرس خلق الرحمة مستدركًا على الأعرابي هذه المرة، لأنه ضيق باب الرحمة، ولسان حاله أنه يحثه على أن يسأل الرحمة لمن أساء إليه.

خامسًا: عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ:"وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ"، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"وَيْحَكَ، ارْجِعْ فَاسْتَغْفِرِ اللهَ وَتُبْ إِلَيْهِ"، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ:"فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟"، فَقَالَ: مِنَ الزِّنَى، فَسَأَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أَبِهِ جُنُونٌ؟"، فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ:"أَشَرِبَ خَمْرًا؟"، فَقَامَ رَجُلٌ فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"أَزَنَيْتَ؟"، فَقَالَ: نَعَمْ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَكَانَ النَّاسُ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ، قَائِلٌ يَقُولُ: لَقَدْ هَلَكَ، لَقَدْ أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَقَائِلٌ يَقُولُ: مَا تَوْبَةٌ أَفْضَلَ مِنْ تَوْبَةِ مَاعِزٍ، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: اقْتُلْنِي بِالْحِجَارَةِ، قَالَ: فَلَبِثُوا بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ جُلُوسٌ، فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ:"اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ"، قَالَ: فَقَالُوا: غَفَرَ اللهُ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ"، قَالَ: ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الْأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، طَهِّرْنِي، فَقَالَ:"وَيْحَكِ ارْجِعِي فَاسْتَغْفِرِي اللهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ"، فَقَالَتْ: أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي

(1) مسند أحمد، 36/ 545. وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، للألباني، 1/ 713.

(2) مسند أحمد، مرجع سابق، 36/ 545.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 8/ 10. وأخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 1/ 236.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت