يَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ وَضْعٌ عِنْدَهُ عَلَى العَرْشِ إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي" [1] ، وإذا كان الخالق قد قدم الرحمة على الغضب فما بالنا لا نرحم العصاة ونحن معرضون للمعصية مثلهم، وقد رحمهم من يقدر علينا وعليهم؟."
ثانيًا: عَنْ جُنْدَبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَدَّثَ"أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللهِ لَا يَغْفِرُ اللهُ لِفُلَانٍ، وَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنْ لَا أَغْفِرَ لِفُلَانٍ، فَإِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ"أَوْ كَمَا قَالَ [2] .
فهذا رجلٌ حجَّر رحمة الله، وحكم على عاصٍ بعدم المغفرة، فغفر الله للعاصي رحمةً به، وأحبط عمل المتألّي عليه، لأنه أقنط من رحمة الله سبحانه، ولذلك أدخل النووي هذا الحديث في باب النهي عن تقنيط الإنسان من رحمه الله تعالى،"وقد حمله على ذلك الإعجاب بنفسه، والتحجر بفضل الله ورحمته، واستبعاد رحمة الله عز وجل من عباده. هل المغفرة بيده؟ هل الرحمة بيده؟" [3] .
قال القاضي عياض:"لأن هذا المتألي قانطٌ من رحمة الله ومكذب بها، والقنوط كفرٌ، والكفر يحبط العمل، وإن لم يكن هذا قانطًا وإنما كان هذا مذهبه إنفاذ الوعيد للعاصين، فيكون هنا قوله:"أحبط عمله"مجازًا لرجحان معصيته بما قال، فاعتقده بطاعاته حتى كأنه لا حسنة له" [4] .
ثالثًا: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِسَكْرَانَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ. فَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِنَعْلِهِ وَمِنَّا مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ» [5] .
يا لها من رحمة نبوية برجل تكررت منه معصية السكر، طَبَّق عليه الحد ليطهره، لكن دافع عنه لما سبه الآخرون بمعصيته، وأمرهم ألا يعينوا عليه الشيطان، قال ابن حجر:"لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم، ووجه عونهم الشيطان بذلك أن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية أن يحصل له الخزي، فإذا دعوا عليه بالخزي فكأنهم قد حصلوا مقصود الشيطان؛ ووقع عند أبي داود ... ولكن قولوا اللهم اغفر له اللهم ارحمه" [6] . وقد قال صلى الله عليه وسلم:"فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ" [7] ، ومن مقتضى التيسير رحمة الناس وبالأخص العصاة منهم.
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 4/ 2107. وأخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 9/ 120.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، مرجع سابق، 4/ 2023.
(3) شرح رياض الصالحين، لابن عثيمين، 3/ 49 - 66.
(4) إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض، 8/ 102.
(5) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 8/ 159.
(6) فتح الباري، لابن حجر، 12/ 67.
(7) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 1/ 54.