الصفحة 17 من 36

ثانيًا: وهي وسيلةٌ لحفظ النفس من أوجهٍ، منها أن العاصي إذا استوحش وعومل بقسوةٍ قد يؤذي نفسه أو غيره بالقتل ونحوه. وفي رحمة المذنب استثارةٌ له لإمساك أذاه وحقن الدماء، وخير مثال على ذلك المعاملة الحسنة التي كان يوليها النبي صلى الله عليه وسلم لصناديد قريش، فما كان من بعضهم إلا أن عادوا إلى حظيرة الإسلام، فصارت أياديهم بيضاء على هذا الدين، بعدما كانت تلطخ بدماء المسلمين.

ثالثًا: وأما حفظ العرض فيكون برجوع المذنب عن ارتكاب الفواحش، كما حصل للشاب الذي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في الزنا. وكما ورد في قصة أصحاب الغار لما هم أحدهم باستغلال ابنة عمه التي بلغت بها الحاجة مبلغًا، حتى إذا مكنته من نفسها ذكرته بالله رحمة به وبنفسها، فما كان منه إلا أن عاد وتاب، وحفظ عرض ابنة عمه.

رابعًا: وأما حفظ العقل فيبرز في حالاتٍ، كمدمني المخدرات، فإنهم إذا وجدوا المحيط الرحيم، والمساعدة الحنون، قد يتوبون ويعافون من الإدمان.

خامسًا: وبالنسبة لحفظ المال فمن أمثلته رحمة المبتلين بالسرقة أو القمار، فكم من سارق تاب على يد من سرقهم.

ومن المقاصد المهمة التي تحققها الرحمة بالمذنبين، تأليف القلوب ولم الشمل، فهي من أسباب الألفة واجتماع الكلمة وانتظام الأمر [1] . فلا نجد ذلك الشرخ بين العصاة وغيرهم، لأن عزلتهم تقوي احتمال غيهم، وأما القرب منهم ودعوتهم بالحكمة والموعظة الحسنة وتوخي الرفق واللين معهم، فسبيلٌ إلى الألفة والاجتماع؛ وإن صدقت النيات، فالحق سيغلب الباطل، وسيعود منهم نصيبٌ وفيرٌ إلى صف الطاعة عاجلًا أم آجلًا؛ وأمثل على ذلك بالاجتهادات الفاسدة للخوارج، حيث أدى سوء الفهم في الدِّين إلى خروجهم على عليٍّ رضى الله عنه ومقاتلتهم له، ولم يمنع هذا ابن عباس رضي الله عنهما من دعوتهم، فرجع مَن رجع منهم، وبقي من لم يرجع على ضلاله [2] .

فلا يجب أن يظهر الأمر كأن هناك فريقين منفصلين، وإنما فريقٌ واحدٌ فسد بعض أعضائه، وجسمٌ واحدٌ اشتكى منه أحد أجزائه، قال ابن القيم:"أن يتوجع لعثرة أخيه المؤمن إذا عثر، حتى كأنه هو الذي عثر بها ولا يشمت به، فهو دليل على رقة قلبه وإنابته" [3] .

ولما عانى الرسول صلى الله عليه وسلم من كفار قريش، فإنه لم يفارقهم، حتى انحاز إليه قدر منهم، كانوا مهاجرين معه لما استفحل الأذى؛ وتعايش أيضًا مع نماذج من العصاة في المدينة فما وجدوا منه إلا الحلم والأناة.

الفرع الثاني: الرحمة بالعصاة بين المداراة والمداهنة.

(1) التيسير بشرح الجامع الصغير، للمناوي، 1/ 434.

(2) بأي عقل ودين يكون التفجير والتدمير جهادا؟! ويحكم ... أفيقوا يا شباب!!، لعبد المحسن العباد البدر، ص 6. وراجع أيضا: فهم النصوص الشرعية وصلته بالإرهاب: دراسة تأصيلية تطبيقية لعبد الرحمن المطيري، ص 38.

(3) مدارج السالكين، لابن القيم الجوزية، 1/ 435.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت