الصفحة 18 من 36

إن التعامل السليم مع العصاة يقتضي رحمتهم وخفض الجناح لهم، رغبةً في تذكيرهم وتأليف قلوبهم، لعلهم يعودون إلى الطريق السوي، لكن ألا يمكن أن يكون هذا من باب نفاقهم والتقرب إليهم لأغراض دنيويةٍ فقط؟. لا شك أن هذا غير مطلوبٍ، وهو من جنس المداهنة، وأن التعامل الأول هو الصواب وهو من جنس المداراة؛"فالمداراة صفة مدحٍ وهي من تجليات النفس المطمئنة، والمداهنة صفة ذمٍّ وهي من النفس الأمارة بالسوء" [1] .

فالمطلوب في حق العصاة هو مداراتهم لا مداهنتهم، لأن مداراة الناس نصف العقل [2] ، قال أَبُو حاتم رَضِيَ اللَّه عنه:"الواجب على العاقل أن يداري الناس مداراة الرجل السابح في الماء الجاري" [3] ، وقال العتابي:"المداراة سياسةٌ لطيفةٌ لا يستغني عنها ملك ولا سوقة، يجتلبون بها المنافع، ويدفعون بها المضار، فمن كثرت مداراته فهو في ذمة الحمد والسلامة" [4] .

ومنه قول الشاعر:

فمن لم يدار الناس قل صديقه ومن ذمهم كان الغني المنعما [5]

وقول الشاعر: فدارهم ما دمت في دارهم [6] .

وفيما يلي جدول يظهر بعض الفروقات بين المداراة والمداهنة [7] :

المداراة ... المداهنة

صفة أهل الإيمان ... صفة أهل النفاق

التلطف لاستخراج الحق أو الرد عن الباطل ... التلطف للإقرار على الباطل والترك على الهوى

ترك الغلظة أو الإعراض عن صاحب الشر إذا خيف شره والإنكار بلطف القول والفعل. ... ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولو بالقلب ومصانعة الكفار والعصاة من أجل الدنيا وترك الإنكار مع القدرة عليه.

الرفق بالجاهل الذي يستتر بالمعاصي. ... من الدهان، وهو الذي يظهر على الشيء ويستر

(1) الروح، لابن القيم، ص: 230 - 231.

(2) المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، لابن الجوزي، 2/ 137.

(3) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء، لمحمد بن حبان الدارمي، ص 71.

(4) عين الأدب والسياسة وزين الحسب والرياسة، لعلي بن عبد الرحمن بن هذيل، ص 154.

(5) نفسه.

(6) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، 8/ 3210.

(7) مقتبسة من هذه المراجع: فتح الباري لابن حجر، مرجع سابق، 10/ 454 و 10/ 528 - 529 و 13/ 52 - 53. وعمدة القاري شرح صحيح البخاري، 22/ 171. ومرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، مرجع سابق، 8/ 3211. و الروح، مرجع سابق، ص 231. وإكمال المعلم، مرجع سابق، 8/ 62. وروح البيان، لإسماعيل حقي، 10/ 110. والموالاة والمعاداة في الشريعة الإسلامية، لمحماس الجلعود، 1/ 226 - 229. وأصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، لنخبة من العلماء، ص 266.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت