وعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ فَقَالَ:"ائْذَنُوا لَهُ، فَبِئْسَ ابْنُ العَشِيرَةِ - أَوْ بِئْسَ أَخُو العَشِيرَةِ -"، فَلَمَّا دَخَلَ أَلاَنَ لَهُ الكَلاَمَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْتَ مَا قُلْتَ، ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ فِي القَوْلِ؟ فَقَالَ:"أَيْ عَائِشَةُ، إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ تَرَكَهُ - أَوْ وَدَعَهُ النَّاسُ - اتِّقَاءَ فُحْشِهِ" [1] . وقد كان الرجل من جفاة الأعراب [2] ، قال ابن حجر:"وهذا الحديث أصلٌ في المداراة وفي جواز غيبة أهل الكفر والفسق ونحوهم والله أعلم" [3] .
فالنبي صلى الله عليه وسلم دارى هذا الرجل لما دخل عليه مع ما فيه من الشر لأجل المصلحة الدينية، فدل على أن المداراة لا تتنافى مع الموالاة إذا كان فيها مصلحةٌ راجحةٌ من كف الشر والتأليف أو تقليل الشر وتخفيفه، وهذا من مناهج الدعوة إلى الله تعالى؛ ومن ذلك مداراة النبي صلى الله عليه وسلم للمنافقين في المدينة خشية شرهم وتأليفًا لهم ولغيرهم، وهذا بخلاف المداهنة فإنها لا تجوز إذ حقيقتها مصانعة أهل الشر لغير مصلحةٍ دينيةٍ وإنما من أجل الدنيا [4] .
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، مرجع سابق، 8/ 31.
(2) إرشاد الساري، مرجع سابق، 9/ 78.
(3) فتح الباري، مرجع سابق، 10/ 454.
(4) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، مرجع سابق، ص 267.