أجل جمله وغنمه، فذلك حين يقول:"تبتغون عرض الحياة الدنيا"، فلما بلغ:"فمنَّ الله عليكم"، يقول: فتاب الله عليكم، فحلف أسامةُ أن لا يقاتل رجلًا يقول:"لا إله إلا الله"، بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه [1] .
ووجه الدلالة من الآية أن المهتدين لم يهتدوا من تلقاء أنفسهم، بل بفضل من الله جل وعلا، وقد كانوا قبل ذلك ضالين؛ فإذا نظروا إلى العصاة وجب عليهم رحمتهم، لأنه لولا رحمة الله لكانوا ضلالًا مثلهم، ومثلما هداهم الله فهو قادرٌ على هداية أولئك العصاة، وكما ضلوا فيحتمل أن يضلوا هم أيضًا.
وإذا كان الملائكة يستغفرون لمن في الأرض رحمةً من الله تعالى، ألا يليق بمن أنقذه الله بالهداية أن يرحم إخوانه العصاة؟، فلنسمع قوله جل وعلا: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [2] ، يقول المراغي:"فما من مخلوقٍ إلا له حظ من رحمته، وهو سبحانه ذو مغفرة للناس على ظلمهم."
وفى الآية إيماء إلى قبول استغفار الملائكة، وهو يزيد على ما طلبوه من المغفرة، الرحمة بهم، وتأخير عقوبة الكافرين والعصاة نوع من المغفرة والرحمة، لعلهم يرعوون عن غوايتهم، ويثوبون إلى رشدهم، وينيبون إلى ربهم" [3] ."
ثالثًا: قال رب العزة والجلال: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [4] ، فلولا رحمة الله جل وعلا برسوله لما لان للكفار والعصاة ولما استمال قلوبهم إلى الحق، فلما رحمه الله وألان قلبه عليهم، رحمهم صلى الله عليه وسلم فلانوا ورقوا واستجابوا، ولو قسا عليهم وعنفهم لانفضوا من حوله، قال أبو حيان:"لو شافهتهم بالملامة على ما صدر منهم من المخالفة والفرار لتفرقوا من حولك هيبةً منك وحياءً، فكان ذلك سببًا لتفرق كلمة الإسلام وضعف مادته" [5] .
وأعم من هذا وأشمل، قوله عز من قائل: {وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ} [6] ، وأيضًا قوله سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) } { [7] } ؛ فرحمة الله
(1) جامع البيان، للطبري، 9/ 78 - 79.
(2) سورة الشورى، الآية:5.
(3) تفسير المراغي، للمراغي، 25/ 16.
(4) سورة آل عمران، الآية:159
(5) البحر المحيط في التفسير، لأبي حيان، 3/ 408.
(6) سورة الأعراف، الآية:156
(7) سورة الأنبياء، الآية:107