الصفحة 9 من 36

أولًا: قوله سبحانه: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [1] ، فالحق أنها دستورٌ عام لجميع المؤْمنين المقصرين, إذا ما تابوا وأصلحوا [2] ، فمن رحمة الله بالعصاة أنه كتب الرحمة على نفسه، ووعدهم بأنه سيعفو عمن أسرف في السوء إذا ما تاب،"فمنها رحمةٌ كاملةٌ خاصةٌ بعباده الصالحين، ومنها رحمةٌ موقتةٌ وهي رحمة الإمهال والإملاء للعصاة والضالين" [3] .

وفي هذا الصدد يقول سبحانه: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [4]

لقد فتح الله تعالى بهذه الآية ونحوها أبواب الرحمة والأمل، يركن إليها جميع أنواع المذنبين الراغبين في التوبة، ومن البلاغة القرآنية أنْ عبر جل وعلا بالإسراف وبالقنوط، ليستثير المسرفين في الذنوب إلى عدم القنوط من رحمة الله، يعني مهما بلغوا في الإسراف فلا مجال للقنوط، وإنما هي دعوة إلى الإقبال على رحمة الله جل وعلا والتي أولها أنه يغفر الذنوب جميعها، قال سيد قطب-بتصرف-:"إنها الرحمة الواسعة التي تسع كل معصيةٍ كائنةً ما كانت، وإنها الدعوة للأوبة، دعوة العصاة المسرفين الشاردين المبعدين في تيه الضلال، دعوتهم إلى الأمل والرجاء والثقة بعفو الله؛ إن الله رحيم بعباده، وهو يعلم ضعفهم وعجزهم، ويعلم العوامل المسلطة عليهم من داخل كيانهم ومن خارجه، ويعلم أن الشيطان يقعد لهم كل مرصد ... فالله سبحانه يمد للعاصي في العون ويوسع له في الرحمة ولا يأخذه بمعصيته حتى يهيئ له جميع الوسائل ليصلح خطأه" [5] .

ثانيًا: قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [6] ،"وقد قتل أسامة بن زيد رجلًا قال:"السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيفَ أنت ولا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما قالها متعوذًا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هَلا شققت عن قلبه فنظرت إليه؟ قال: يا رسول الله، إنما قلبه بَضْعة من جسده! فأنزل الله عز وجل هذه الآية، وأخبره إنما قتله من"

(1) سورة الأنعام، الآية:54.

(2) التفسير الوسيط، لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، 3/ 1250.

(3) التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر بن عاشور، 7/ 151.

(4) سورة الزمر، الآية:53.

(5) في ظلال القرآن، لسيد قطب، (5/ 3058) .

(6) سورة النساء، الآية:94

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت