أن يربط بين المعنى والمبنى في السياق بقوله:"النظم هو توخي معاني النحو في معاني الكلم ..." [1] . فالكلم لا تأخذ مواقعها في سياق التركيب عفوًا وإنما من خلال اتساقها في علاقات معنوية بينها.
إن المدقق في النصوص الواردة عند عبدالقاهر يجد أن"النظرية السياقية"من بنات أفكاره، وما النظم إلا السياق؛ إذ إن مفهوم النظم عنده يؤكد ذلك"ليس النّظم سوى تعليق الكلم بعضها ببعض، وجعل بعضها بسبب من بعض" [2] .
أما النظرية السياقية لدى اللسانيين المحدثين في الغرب فلم تزد عما جادت به قريحة الجرجاني في نظريته"النظم"بل إنها هي بذاتها، فبعد رحلة طويلة في البحث اللساني في المدارس اللسانية في الغرب، في بداية النصف الثاني من القرن العشرين توصل العالم البريطاني"فيرث"ومن نحا نحوه إلى ما توصل إليه عبدالقاهر (ت: 471 هـ) من"أنه لم يعد ينظر إلى الكلمات باعتبارها وحدات معجمية تشغل مواقع نحوية محددة، وإنما إلى شروط استخدامها في تلاؤم وانسجام مع الكلمات الأخرى الواردة في النص" [3] ويصرح فيرث Firth بأنَّ المعنى لا ينكشف"إلا من خلال تسييق الوحدة اللغوية، أي وضعها في سياقات مختلفة" [4] إذ إنَّ السياق يمنح الكلمة معنىً واحدًا؛ وهو الذي تدل عليه في سياق معيّن دون آخر، وقد يوحي السياق عند التأمل فيه بأكثر من دلالة. وبذلك يكون السياق مشاركًا لدلالة الكلمة المعجمية في تحديد الدلالة العامة في النص؛ إذ لا يمكن التخلي عن معنى الكلمة المفردة؛ لأنَّ في"كلّ كلمة نواة صلبة من المعنى - ثابتة - ويمكن تكييفها بالنصّ ضمن حدود معينة" [5] .
ومما يجدر الإشارة إليه أن نظرية السياق أكدت الوظيفة الاجتماعية للغة، فعُرفت بنظرية سياق الحال Context of Situation حيث نظرت إلى المعنى على أنه"وظيفة في سياق"، والمقصود"بسياق الحال"ظروف الكلام وملابساته التي يقال فيها، ومن ثم يرى"فيرث"أن الاستعمال الفعلي للغة في أي جماعة لغوية محكوم بأمرين هما:
1 -السياق اللغوي Linguistic Context: وهو حدث كلامي قوامه الأصوات، وقد سُمي عند قدامى علماء العربية بالمقال، وقد عُرِّف بأنه:"البيئة اللغوية التي تحيط بصوت، أو فونيم، أو كلمة،"
(1) دلائل الإعجاز، ص 234
(2) دلائل الإعجاز، ص 7
(3) دلالة السياق بين التراث وعلم اللغة الحديث، دراسة تحليلية للوظائف الصوتية والبنيوية والتركيبية في ضوء نظرية السياق، د. عبدالفتاح عبدالعليم البركاوي، من دون دار نشر، د. ت، ص 53
(4) علم الدلالة، د: أحمد مختار عمر، عالم الكتب، بيروت، ط 2/ 1988 م، ص: 68
(5) منهج البحث اللغوي بين التراث وعلم اللغة الحديث، د: علي زوين، دار الشئون الثقافية العامة، آفاق عربية، بغداد، ط 1/ 1986 م ص: 94