الصفحة 36 من 57

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"كان رجل يسرف على نفسه فلما حضره الموت، قال لبنيه: إذا أنا متُّ فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فو الله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا، فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال اجمعي ما فيك منه، ففعلت، فإذا هو قائم، فقال ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك فغفر له" [1] ، فهذا رجل جهل كمال قدرة الله جلا وعلا ـ وعند بعض العلماء جهل القدرة ـ في بعثه بعد موته فظن أنه إذا أحرق ونثر رماده في البر والبحر فإن الله لا يقدر على جمعه، ولا شك أن الشك في قدرة الله جلا وعلا، والشك في البعث كفر، قد فعله جاهلًا وغفر الله له.

هذا ويجب أن تعلم أن العذر بالجهل يُعتبر حق:

أ- مَن كان حديث عهد بكفر، أما من عاش بين المسلمين، يحضر صلواتهم ويسمع خطبهم، ثم يجهل شيئا من أصول الدين أو أمرًا معلومًا منه بالضرورة فلا يعذر بجهله، لأنه متسبب في وجود جهله وعدم إزالته. ومدار الحكم على هذا وأمثاله معرفة كل بحال عينه.

ب- مَن كان في محلٍّ أو حالٍ هو مظنة أن يجهل هذه الأحكام كمَن نشأ في بادية بعيدة.

ومن نقول العلماء في هذا الصدد ما قاله القرافي في"الفروق" [2] :"... لأنَّ القاعدة الشرعية دلت على أن كل جهل يمكن المكلف رفعه لا يكون حجة للجاهل لاسيما مع طول الزمان واستمرار الأيام فإنَّ الذي لا يُعلم اليوم يُعلم في غدٍ ولا يلزم من تأخير ما يتوقف على هذا العلم فسادٌ فلا يكون عذرًا"ا. هـ.

العذر بالجهل المعتبر عند أهل العلم ما لم يلحقه تقصير من الجاهل أو تفريط.

(1) رواه البخاري برقم (3481) .

(2) الفروق= للقرافي (4/ 448) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت