الصفحة 41 من 57

مسائل الكفر، وهو ما رواه مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك أخطأ من شدة الفرح [1] ."

فهذا قال كلمة هي كفر بالاتفاق، لكنه لما لم يقصدها بنيته، وإنما صدرت منه خطاء بسبب شدة الفرح، لم يؤاخذ عليها. فصار بهذا الخطأ ضد القصد مانعًا من تكفير هذا وأمثاله، والله أعلم.

وقال:"ومن الموانع أيضًا أن يكون له شبهة تأويل في المكفر بحيث يظن أنه على حق؛ لأن هذا لم يتعمد الإثم والمخالفة فيكون داخلًا في قوله - تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] . ولأن هذا غاية جهده فيكون داخلًا في قوله -تعالى-: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ."

-تنبيه: العلماء رحمهم الله فرقَّوا بين من أتى الكفر وهو لا يعلم أو لا يظن أنه كفر مخرج من الملة؛ بل ربما ظنه معصية أو كبيرة، وبين الجاهل أصلًا بكونه كفر مخرج من الملة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وهؤلاء الصنف الذين كفروا بعد إسلامهم غير الذين كفروا بعد إيمانهم فإن هؤلاء حلفوا بالله ما قالوا، وقد قالوا كلمة الكفر التي كفروا بها بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وهو يدل على أنهم سعوا في ذلك، فلم يصلوا إلى مقصودهم؛ فإنه لم يقل: هموا بما لم يفعلوا لكن {بما لم ينالوا} فصدر منهم قول وفعل قال تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} [التوبة: 65] فاعترفوا واعتذروا؛ ولهذا قيل: لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً"

(1) رواه مسلم في صحيحه (2747) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت