الصفحة 42 من 57

بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ [التوبة: 66] فدل على أنهم لم يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر، فبين أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا أنه محرم، ولكن لم يظنوه كفرا، وكان كفرا كفروا به؛ فإنهم لم يعتقدوا جوازه ..." [1] ."

وقال شيخنا محمد ابن عثيمين رحمه الله:"... الجاهل بما يترتب على المخالفة غير معذور إذا كان عالمًا بأن فعله مخالف للشرع كما تقدم دليله، وبناء على ذلك فإن تارك الصلاة لا يخفى عليه أنه واقع في المخالفة إذا كان ناشئًا بين المسلمين فيكون كافرًا وإن جهل أن الترك كفر. نعم إذا كان ناشئًا في بلاد لا يرون كفر تارك الصلاة وكان هذا الرأي هو الرأي المشهور السائد بينهم، فإنه لا يكفر لتقليده لأهل العلم في بلده، كما لا يأثم بفعل محرم يرى علماء بلده أنه غير محرم؛ لأن فرض العامي التقليد لقوله - تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} . والله الموفق" [2] .

-أما التأويل، وهو ملحق بالخطأ لنوع اشتراك بينهما، وقد يشترك أيضًا بالجهل، والأمر

واسع بحمد الله وحقيقة التأويل: وضع الدليل الشرعي من كتاب أو سنة في غير موضعه سواء باجتهاد أو بشبهة أو سوء فهم ... الخ. فيرتكب الكفر الأكبر والذي لا يراه هو في نفسه كذلك. وهذا المانع من التكفير إنما يختص بأهل الاجتهاد دون غيرهم من المتقولين على الله بالجهل والهوى، وذلك أن المجتهد قد يترك مقتضى دليل بدليل آخر يراه أقوى منه، كمن اعتقد من الصحابة حِلَّ الخمر مستدلًا بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93] فلما رفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب وتشاور الصحابة فيهم، اتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة رضي الله عنهم على أنهم إن أقروا بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا. فلم يكفرهم

(1) مجموع الفتاوى (7/ 273) .

(2) مجموع الفتاوى والرسائل (2/ 138) ، وقد سبق في الشروط نقل أول كلامه!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت