كما رواها ابن الجوزي [1] ، بسنده إلى ابن عباس قال: أسرَتِ الروم عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له الطاغية: تنصَّر وإلا ألقيتك في النقرة النحاس، فقال: ما أفعل. فدعا بنقرة من نحاس فمُلئت زيتًا وأُغليت ودعا رجلًا من المسلمين فعرض عليه النصرانية فأبى فألقاه في النقرة فإذا عظامه تلوح، فقال لعبد الله ابن حذافة: تنصَّرْ وإلا ألقيتك، قال: ما أفعل، فأمر أن يُلقى في النقرة فكتفوه فبكى، فقالوا: قد جزع، قد بكى، قال: ردوه، فقال: لا تظنّن أني بكيت جزعًا؛ ولكن بكيت إذ ليس لي إلا نفسٌ واحدة يُفعل بها هذا في الله عز وجل، كنت أحب أن يكون لي أنفسٌ عدد كلَّ شعرةٍ فيَّ، ثم تُسلط عليَّ فتفعل بي هذا، قال: فأعجبه وأحبَّ أنْ يُطلقه، فقال: قبِّلْ رأسي وأُطلقك، قال: ما أفعل، قال: تنصَّر وأُزوجك ابنتي وأُقاسمك ملكي، قال: ما أفعل، قال: قبِّل رأسي وأُطلق معك ثمانين من المسلمين، قال: أما هذا فنعم، فقبل رأسه فأطلقه وثمانين معه. فلما قدموا على عمر قام إليه عمر فقبَّل رأسه، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يُمازحون عبد الله ويقولون: قبَلْتَ رأسَ عِلْجٍ.
وقال الموفق أبو محمد ابن قدامة [2] :"وروى الأثرم عن أبي عبد الله-يعني الإمام أحمد- أنه سُئل عن الرجل يُؤمر فيعرض على الكفر ويكره عليه، أله أن يرتد؟ فكرهه كراهةً شديدة، وقال: ما يُشبه هذا عندي الذين أُنزلت فيهم الآية من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، أولئك كانوا يُرادون على الكلمة ثم يتركون يعملون ما شاءوا، وهؤلاء يريدونهم على الإقامة على الكفر وترك دينهم"ا. هـ.
وقال الإمام الشافعي - رحمه الله - في"الأم" [3] :"ولو أن رجلًا أسره العدو فأكرهه على الكفر لم تبن منه امرأته ولم يحكم عليه بشيء من حكم المرتد؛ قد أكره بعض من أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم على الكفر فقاله، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم"
(1) في كتابيه"الثبات عند الممات" (1/ 53) ،وفي"المنتظم" (4/ 320) ، وانظر تاريخ الأمم والملوك= لابن جرير 2/ 396.
(2) المغني= لابن قدامة (9/ 31) .
(3) "الأم"=للشافعي (6/ 175) .