رأسه» [1] .
وجاء في الصحيحين، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «جاءت سحابة فمطرت فسال السقف، وكان من جريد النخل، فأقيمت الصلاة، فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسجد في الماء والطين، حتى رأيت أثر الطين في جبهته» [2] .
وهذا الحديث أصلٌ عند أهل العلم في بابي الاعتكاف وليلة القدر، وهذا كله يدل على تواضع بناء النبي - صلى الله عليه وسلم - لمسجده، حيث بناه مما يبني به الناس بيوتهم، لأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن زخرفة المساجد وتزويقها، وتشيِّد المساجد والمبالغة في عمارتها حتى تخرج عن معنى العبادة فيها والعبودية لله عز وجل بلا صوارف أو تشويش يشغل المصلي والمتعبد لله عز وجل في بيوت الله: المساجد.
ولئلا يشابه المسلمون الكفار من اليهود والنصارى وأضرابهم في زخرفة وتعظيم دور عباداتهم من الكنائس والبِيَع .. وهذا أصل عظيم شريف قصد إليه الشارع في اعتزاز المسلم بدينه، وعدم تشبهه وتقليده المنحرف عنه ليتحقق لله العبادة وحده لا شريك لهو وبلا شائبة البدع والخرافة!
وبنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجرات زوجاته لما بنى المسجد، قال ابن النجار: قال أهل السير ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحجرات ما بينه وبين القبلة والمشرق إلى الشامي -أي الشمال- ولم يضربها في غربيه، وكانت خارجة عن المسجد مديرة به إلا من الغرب، وكانت أبوابها شارعة في المسجد [3] . اهـ
وكانت قبلة المسجد في أول الأمر إلى بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا ثم حولت إلى الكعبة بمكة.
ولم يكن في مسجده - صلى الله عليه وسلم - محراب بل كان بينه وبين الجدار قدر ممر شاة. وكذا كان بين المنبر والجدار قدر ما تجوزه الشاة [4] .
(1) ... انظر «خلاصة الوفاء» ص 213، و «رحله ابن بطوطة» 1/ 135. وابن زبالة هذا هو محمد بن الحسن بن زبالة وهو من تلامذة الإمام مالك وقد ألف كتابًا في تاريخ المدينة ألفه سنة 199 هـ. وهو من أهم الكتب في وصف عمارة المسجد النبوي وأقدمها لكنه للأسف مفقود، وقد نقل منه وأكثر السمهودي في كتبه ومنها «خلاصة الوفاء» فهو المصدر الذي جمع أكثر النقول عنه. فلهذا عولنا عليه في كلام ابن زباله رحمه الله.
(2) ... أخرجه البخاري في كتاب الجماعة والإمامة، باب هل يصلي الإمام عن حضر ... 1/ 238، ومسلم في كتاب الصيام، باب فضل ليلة القدر والحث على طلبها رقم 1168.
(3) ... انظر «أخبار مدينة الرسول» - المعروف بـ «الدرة الثمينة» - لابن النجار ص 60 وما بعدها.
(4) ... هذا في الصحيحين عن سهل بن سعد وسلمة بن الأكوع. أخرجه البخاري في كتاب سترة المصلي، باب قدر كم ينبغي أن تكون بين المصلي والسترة 1/ 188. ومسلم في كتاب الصلاة، باب دنو المصلي من السترة رقم 508، 509.