وهذا كان من أهل العلم مخرجًا من دخول القبر في الحجرة داخل المسجد، ولئلا تضيع آثار بناء الرسول لبيوته وما كانت عليه من عدم الكلفة، حتى يراها الناس فيزهدون برؤيتها عن الدنيا وعمارتها.
وقد ذكر ابن كثير صورة لهذا الإنكار في دخول الحجرات في توسعة المسجد بما سطَّره في تاريخه لما وصل كتاب الوليد بن عبد الملك يأمره فيها بإدخال الحجرات وما حول المسجد قال: «فجمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس والفقهاء العشرة وأهل المدينة، وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين والوليد فشقَّ عليهم ذلك، وقالوا: هذه حجر قصيرة السقوف، وسقوفها من جريد النخل، وحيطانها من اللبن، وعلى أبوابها المسوح -وهو غطاء من الشعر- وتركها على حالها أولى؛ لينظر إليها الحجاج والزوار والمسافرون إلى بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فينتفعوا بذلك ويعتبروا به، ويكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا، فلا يعمرون فيها إلا بقدر الحاجة وهو ما يستر ويُكِّن، ويعرفون أن هذا البنيان العالي إنما هو من أفعال الفراعنة والأكاسرة، وكل طويل الأمل راغب في الدنيا وفي الخلود فيها.
فعند ذلك كتب عمر بن عبدالعزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة [1] المتقدم ذكرهم. فأرسل إليه يأمره بالخراب وبناء المسجد على ما ذكر، وأن يعلى سقوفه. فلم يجد عمر بُدًّا من هدمها، ولما شرعوا في الهدم
(1) ... وهم الفقهاء السبعة المشهورون ومعهم ثلاثة غيرهم:
1 -عروة بن الزبير
2 -خارجة بن زيد
3 -عبيد الله بن عبد الله بن عتبة
4 -أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
5 -القاسم بن محمد بن أبي بكر
6 -سليمان بن يسار
7 -سالم بن عبد الله بن عمر
8 -أخوه عبيد الله
9 -عبد الله بن عامر بن ربيعة
10 -أبو بكر بن سليمان بن خيثمة.
هؤلاء الذين ذكرهم ابن كثير في «التاريخ» 9/ 79 ولم يذكر سعيد بن المسيب معهم وقد ذكره غيره. انظر «فقهاء المدينة السبعة» لعبد المنعم الهاشمي ص 33 - 53.