ولم يتخذ المحراب في المسجد إلا في عهد الوليد بن عبد الملك كما سيأتي إن شاء الله.
أما منبره - صلى الله عليه وسلم - فجاء وصفه في حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، وذلك أن رجالًا تجادلوا في المنبر مما عوده؟ فسألوه عن ذلك فقال: «والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول ما وضع، وأول يوم جلس عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى فلانة، امرأة قد سماها سهل، فقال: مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهن إذا كلمتُ الناس، فأمرتْهُ، فعَمِلها من طرفا الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -» [1] .
وكان المنبر من ثلاث درجات، وكان يهتز بالرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب واشتد في خطبته، ثم زاده معاوية بن أبي سفيان كما سيأتي في الكلام على المنبر.
هذا العمار الأول للمسجد، وقد وسعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في السنة السابعة من الهجرة بعد فتح خيبر لما كثر المسلمون وزادت المؤنة بفتح خيبر حتى أصبح 100 ذراعًا ×100 ذراعًا، وهو الموافق 250×250 م 2 تقريبًا مع وضع الطين في سقفه وتكثيفه، وأبقاه على ارتفاعه الأول سبعة أذرع. وكانت مساحته 2500 م 2 تقريبًا.
وقد جعل فيه عليه السلام ثلاثة أبواب: باب عاتكة من الغرب، وباب من الشمال، وبابه عليه السلام الذي يدخل منه جهة حجراته.
والمقصود: أن عمارتي النبي - صلى الله عليه وسلم - للمسجد مرتين كانتا بشكل متواضع وغير متكلف، فبناه كما هي بناية الناس لدورهم، فلا زخرفة ولا تشيِّد ولا ارتفاعات ولا زينات، وإنما كما صحَّ عنه - صلى الله عليه وسلم: «عريش كعريش موسى» .
والأهم من ذلك أنه لم يدفن فيه أحدًا من أصحابه رضي الله عنهم، وقد مات في عهده - صلى الله عليه وسلم - خيرةٌ من كوكبتهم، منهم: عمه حمزة، وابنه إبراهيم، وبناته: رقية وزينب وأم كلثوم وغيرهم رضي الله عنهم، فلم يدفنهم في ناحية من نواح المسجد، وإنما دفنهم مع عموم أصحابه في مقبرة البقيع.
(1) ... هذا متفق عليه. أخرجه البخاري في كتاب الجمعة، باب الخطبة على المنبر 1/ 310، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز الخطوة والخطوتين في الصلاة رقم 544. وانظر فتح الباري 2/ 461 - 465.