فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 48

المبحث الأول: بناء النبي - صلى الله عليه وسلم - لمسجده بالمدينة:

بنى النبي - صلى الله عليه وسلم - مسجده أول ما قدم مهاجرًا إلى المدينة، وكان لهذا سبب وقصة، أخرجها الشيخان بسندهما عَنْ أَنَس ٍرضي الله عنه قَالَ: «قَدِمَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ أَعْلَى الْمَدِينَةِ، فِى حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَأَقَامَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً [1] ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِى السُّيُوفِ، كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ، وَمَلأُ بَنِى النَّجَّارِ حَوْلَهُ، حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِى أَيُّوبَ -أي: ألقى راحلته ورحله وترك هناك- وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ، وَيُصَلِّي فِى مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَأَرْسَلَ إِلَى مَلإٍ مِنْ بَنِى النَّجَّارِ -وجاء في بعض الروايات أن الفناء ليتيمين هما سهل وسهيل ابني رافع من بني النجار وأرسل الرسول لهما أو لوليهما- فَقَالَ: يَا بَنِى النَّجَّارِ ثَامِنُونِى بِحَائِطِكُمْ هَذَا، قَالُوا لاَ وَاللَّهِ، لاَ نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلاَّ إِلَى الله» ، وجاء في بعض الروايات: «أنه أبى إلا أن يأخذوا ثمنه ودفع ثمنه الصديق رضي الله عنه عشرة دنانير ذهبية. فَقَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ لَكُمْ، قُبُورُ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ خَرِبٌ -أي: جمع خربة وهي البناء المنهدم- وَفِيهِ نَخْلٌ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالْخَرِبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ الْمَسْجِدِ، وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ الْحِجَارَةَ -وهما ما يشد البناء من حواليه بالنسبة للداخل فيه- وَجَعَلُوا يَنْقُلُونَ الصَّخْرَ، وَهُمْ يَرْتَجِزُونَ، وَالنَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُمْ وَهُوَ يَقُولُ:

اللَّهُمَّ لاَ خَيْرَ إِلاَّ خَيْرُ الآخِرَهْ ... فَاغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ» [2]

وجاء في صفة بنائه له - صلى الله عليه وسلم: أنه بناه باللبن والطين والحجارة، فجعل أساسه من الحجارة، وجعله جداره من اللبن، والطين يجعلها متزاوجة، ورفعه إلى ارتفاع سبعة أذرع، وجعل أعمدته من جذوع النخل التي قطعت من الأرض، وضعت في قبلة المسجد، وكان سقف المسجد من الجريد والخصاف وطينوه بالطين يكنُّهم من الحر والمطر.

وجاء في بنائه الحديث المشهور عند الفقهاء -أعني: بناءه بالطين واللبن- وهو حديث طلق بن علي الحنفي اليمامي رضي الله عنه، وذلك أنه قدم من اليمامة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يبني المسجد فعمل معهم، وكان صاحب

(1) ... وهم أهل قباء، ثم غادرهم متجهًا إلى المدينة فصلى الجمعة - ــ وهي أول جمعة صلاها بالمدينة - ــ في بني عوف: بني سالم بن عوف وبنو النجار أخوال أبيه رضي الله عنهم.

(2) ... متفق عليه، أخرجه البخاري في كتاب المساجد، باب هل تنبش قبول المشركين ... 1/ 165. مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب بناء مسجد النبي ' رقم 524. انظر «فتح الباري» 1/ 624 - 627 ومواضع أخرى منه تكرر فيها الحديث. انظر «تحقيق النصرة» للمراغي ص 38 - 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت