المبحث التاسع:
التأثر بالحضارات [1] السابقة في عمارة المسجد النبوي وخاصة النصرانية
كانت العمارة في شبه الجزيرة ومناطقها على طبيعتها من غير كلفة، فهي خالية من الترف والفخامة والزخرفة، حيث كان البناء منبعثًا من طبيعة الجزيرة ومناطقها بآلاتها ومؤنتها.
فكانت بيوت الحضر من الطين واللبن ومسقوفة بجذوع النخل وعسيبها وجريدها فهذه هي جدرانها وأسقفها، أما الأعمدة فكانت من جذوع النخل أو من جدر طينية كبيرة، مع الأساس من الحجارة. وهذا الذي فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - في بناءه مسجده وبيوت زوجاته فيما بعد. وهو الذي فعلته قريش لما انهدمت الكعبة، بنتها من المواد المتوفرة بمكة من الحجارة والطين. وهذا النوع من البناء لم يزل موجودًا في بعض مناطق الجزيرة كما في مدن نجد وقراها.
ولم تعرف الحصون والأبنية الكبيرة والقوية ذوات الشُرَف والجدر العالية إلا عند اليهود في المدينة وفي خيبر وفدك وفي نجران، وكذا في بلاد اليمن من حواضرها الطبيعة تلك الأبنية التي تشبه المستعمرات والحصون فكان الاهتمام بالبناء على هذا النحو وغيره موجودًا عند أولئك.
وفي الوقت نفسه كانت المباهاة في العمران والأبنية والترف فيها والفخامة موجودًا عند الفرس والروم وبلاد الحبشة وبلاد اليونان ومصر.
ولما كانت الفتوحات الإسلامية قوية في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم وجد الاتصال بحضارات الساسانيين في فارس والحيرة والبيزنطين في الشام ومصر. فكان التأثر بتلك الحضارات والتلاحق بينها ظاهرًا فيما بعد عند أمراء بني أمية في المجال العمراني خاصة.
حيث اتجه الأمراء والخلفاء في أواسط الدولة الأموية إلى ناحية الاهتمام بالعمارة والزخرفة والمتفاخر فيها: بقصورهم ومدائنهم ومساجدهم، وكان نتيجة ذلك الاتصال بأهل الحضارة العمرانية ممن قبلهم وكذا التطور في طرق البناء وأساليبه والزخرفة وتزين القصور والنحت بها، واستخدام مواد ومؤن لم تكن معروفة في
(1) ... إن مصطلح الحضارة من المصطلحات الشائعة الاستعمال، وهو من الألفاظ المحتملة لعدة معاني في الحقيقة، لكنني أرى أنه عند إطلاقه وعدم تقيده ينصرف مباشرة إلى التقدم والتطور المادي والعمراني، لدولة أو أمة معينة في بنيانها وقصورها وملاعبها ومعابدها وجسورها ... الخ، ولا نقصد به هنا الحضارة المعنوية التي هي العلم والدين أو الأخلاق ونحو هذا.