فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 48

تمهيد: زخرفة المساجد وتزويقها وحكمها في الإسلام

حث القرآن الكريم والسنة المطهرة وقام الإجماع على وجوب عمارة المساجد لله وحده لا شريك له؛ تحقيقًا لتوحيده والإيمان به، قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [التوبة: 17] ، وقال عز وجل: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 18] ، فنفى سبحانه عمارة أهل الشرك والضلال لمساجده، وحصرها على أولئك الذين آمنوا به وباليوم الآخر، وعمارة المسجد تكون أولًا ببنائه، ثم بعمارته بإقامة ذكر الله وشعائره فيه [1] .

وفي الصحيحين أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة» ، والبناء يشمل الأمرين بناء حقيقي ومعنوي كما سبق.

لكن ورد على المسلمين البدع في زخرفة المساجد وتزويقها وتزينها بما لا حاجة فيه، بل والتكاليف الباهضة في هذا، مع التباهي والمتفاخر ببنائها من أهل الدنيا الذين لم يرجوا ما عند الله والدار الآخرة، وبعضهم جهلًا يظن أن هذا من الأمر بالزينة عند المساجد كما في سورة الأعراف {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31] ، وهذا فهم لا يصح من الآية، ولم يُعرف عن السلف من الصحابة والتابعين أعلم الناس بالقرآن ومعانيه ودلالات ألفاظه، فإن الأمر بالزينة المراد به ستر العورات عند المساجد؛ لأن طائفة من المشركين كانوا يطوفون بالبيت عريانًا، كما روي عن غير واحد من أئمة السلف [2] ، وكذا المراد الطهارة بالوضوء الشرعي.

ولا يفهم أن الزينة هي إظهار الزخرفة والنحت والتزويق في مساجد الله كما هو حال أكثر مساجد المسلمين اليوم، لورود النهي عن ذلك صريحًا في السنة وفي أقوال كبار الصحابة أئمة الهدى

وسبق لنا أن التباهي في بناء المساجد والعناية بزخرفتها وتزينها بالكتابات الرسوم وأمثال ذلك هو من التشبه بأهل الكتاب من النصارى لحديث عائشة عن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهم أنهما ذكرتا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من التصاوير فقال: «إن أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو

(1) انظر تفسير ابن كثير 2/ 340 - 341.

(2) ... انظر تفسير ابن كثير 2/ 210.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت