الصفحة 10 من 40

عرفاني أو فكري، وبعضه وجداني، ولكن الطبيعة البشرية والشخصية والبشرية لا توجدان على أي حال إلا داخل ومن خلال العلاقات بين الناس وبعضهم البعض" [1] ."

ويعزز علم الاجتماع النظرة الجمعية / الاجتماعية للحضارة، فالحضارة في المقام الأول جمعية مميّزة وهي ليست مقصورة على شعب معين، فالمعتاد أن يساهم فيها عدة شعوب وأجناس، لذا فهي تتسم بالمنطقية والعمومية، وهي قبل أي شيء تتسم بالتقدمية ولهذا السبب تنتشر بشكل لا يمكن مقاومته عبر العالم كله، وقد لا تحقق السعادة الفردية - كما نتوهم - أو المصلحة العامة، ولكن رأس مال الإنسانية يزداد في كل الأحوال، فكل الأمم والحضارات تتجه في الواقع لتصبح أكثر قوة وأكثر عمومية ومنطقية [2] .

يقال هذا نظرا لوجود حالة من التنازع الفكري بين بعض الأمم - مثل الجدل بين الألمان والفرنسيين - فعلى حين يعزز الفرنسيون مفهوم الحضارة في بعده الأممي / الكوني في مجالي القيم والفكر، يرى الألمان أن هذا مصدر للخطر على الثقافة المحلية المميزة، وهذا عائد إلى ما لاحظه الألمان من تأثر النخبة الحاكمة والصفوة لديهم بالثقافة الفرنسية، وتباهيهم بالحديث باللغة الفرنسية، فرأى المفكرون الألمان أن هذه حضارة مستعارة، غير أممية ولا كونية، وهي نابعة من الهاجس الألماني الذي يرى أن الثقافة تعكس الوعي الذاتي لأمتهم وهي دائمة البحث عن حدودها وإعادة ترسيم هذه الحدود، سياسيا وروحيا [3] .

فقضية تنازع الحضارة والثقافة هاجس دائم؛ خوفا من طغيان الحضارة الأجنبية على الثقافة المحلية، وهذا طبيعي وفق منطق سيادة ثقافة الغالب على المغلوب، وأن الأمم المنهزمة حضاريا لديها الرغبة في التأثر بثقافة المنتصر. ولكن الحالة التي أمامنا (فرنسا وألمانيا) حالة تنازع ثقافي أكثر من كونها نزاعا حضاريا خاصة أنها بدأت عقب الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، فكلتا الأمتين تنتميان إلى حضارة واحدة (الحضارة الغربية) ، وهذا باد من خلال تحفظات المثقفين الألمان على الثقافة الفرنسية وهي تحفظات ظاهرها سيطرة اللغة الفرنسية، وباطنها الاعتراض على انتشار قيم الثورة، وتأثر البلاط الألماني السياسي بها، مما قد يذيب الجنس الآري /الألماني في دائرة الأممية.

وقد تأكد الأمر بما طرحه المفكرون الألمان حيث رأوا أن"حضارة الصفوة (الألمانية) المتحدثة بالفرنسية حضارة مستعارة، لم تكن داخلية بل مجرد صيغ شكلية واستعراض خارجي، واشتقت"

(1) لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟ (الثقافات البشرية: نشأتها وتنوعها) ، مايكل كاريذرس، ترجمة: شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، يناير 1998 م، ص 89، 90.

(2) الثقافة: التفسير الأنثروبولوجي، آدم كوبر، ترجمة: تراجي فتحي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، مارس 2008 م، ص 41، 42.

(3) المرجع السابق، ص 45.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت