تقديم
للعلامة الشيخ مجاهد الإسلام القاسمي
بسم الله الرحمن الرحيم
إنَّ الحمد والشكر لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين، وبعد:
إنَّ مصادر التشريعي الإسلامي المتفق عليها بين العلماء هي الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس، وإنما الإجماع والقياس مبنيان عليهما، وكذلك قول الصحابي، وشرع من قبلنا، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والاستصحاب، والعرف، وإن كانت من الحجج الشرعية ولكنها مختلفة بين الفقهاء.
إن القرآن الكريم ذكر أسس الشريعة والحكم، والسنة النبوية فصلت تلك الشرائع والأحكام، وإنهما تركا تفاصيل الأحكام الجزئية إلى الفقهاء الذين يأتون في كل عصر ومصر؛ لأن الحوادث والوقائع متعاقبة الوقوع، ونخص عصرنا الحاضر، حيث كثر فيه الحوادث، ما يوجب الفقيه التثبت والتفكر والبحث عن العلة في بيان حكم الله سبحانه؛ لأن الفقيه قائم في الأمة مقام النبي- صلى لله عليه وسلم - وأنه نائب في تبليغ الأحكام.
ولقد أحسن الإمام الشاطبي (790 ه) في قوله (1) :"إن المفتي شارع من وجه، لأن ما يُبلِّغه من الشريعة إما منقول عن صاحبها وإما مستنبط من المنقول، فالأول يكون فيه مبلغا، والثاني يكون فيه قائما مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنَّمَا هوللشارع، فإذا كان للمجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه شارع واجب اتباعه والعمل على وفق ما قاله" (1)
ما دام المفتي قائما مقام النبي- صلى الله عليه وسلم- فتقع مسؤولية كبيرة على عاتقه، حيث لا يتعجل في الفتوى والجواب، ولا يستعد له حتى يصير أهلا لذلك، ويبذل قصارى جهده في بحث العلل ومقاصد الشريعة، حتى لا يخطئ في إدراك مراد الله- جل وعلا- علما أن المنصوص من الشرع ليس فيه حق الاجتهاد لأحد، بل الاجتهاد والاستنباط يكون في غير المنصوص.
(1) هو إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهيربالشاطبي: أصولي حافظ من أهل غرناطة، كان من أئمة المالكية من كتبه الموافقات، والمجالس، والإفادات، والإنشادات، غيرها. أنظرالأعلام لخير الدين الزِّرِكْلِي: (1/ 75)
(1) الموافقات: 4/ 246)