السبب الثاني
* أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدوة واقعية شاملة على وجه الكمال، وفي السيرة بيان ذلك.
قال الله - تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا) ، قال ابن جُزَي - رحمه الله: أي قدوة تقتدون به - صلى الله عليه وسلم - في اليقين والصبر وسائر الفضائل.
أما كون النبي - صلى الله عليه وسلم - قدوة واقعية و بيان السيرة لذلك، فقد قال مصطفى السباعي - رحمه الله [1] : إن سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحكي سيرة إنسان أكرمه الله بالرسالة، فلم تخرجه عن إنسانيته، ولم تلحق حياته بالأساطير، ولم تُضْف عليه الألوهية قليلًا ولا كثيرًا، وإذا قارنا هذا بما يرويه المسيحيون عن سيرة عيسى - عليه السلام - وما يرويه البوذيون عن بوذا، والوثنيون عن آلهتهم المعبودة، اتضح لنا الفرق جليًا بين سيرته - عليه السلام - وسيرة هؤلاء، ولذلك أثر بعيد المدى في السلوك الإنساني والاجتماعي لاتباعهم، فادعاء الألوهية لعيسى - عليه السلام - ولبوذا جعلهما أبعد منالا من أن يكونا قدوة نموذجية للإنسان في حياته الشخصية والاجتماعية، بينما ظل وسيظل محمد - صلى الله عليه وسلم - المثل النموذجي الإنساني الكامل لكل من أراد أن يعيش سعيدًا كريمًا في نفسه وأسرته وبيئته، ومن هنا يقول الله - تعالى في كتابه الكريم: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) .أ. هـ
قال سيد قطب - رحمه الله [2] : وإنها الحكمة الإلهية كذلك تبدو في رسالة واحد من البشر إلى البشر. واحد من البشر يحس إحساسهم، ويتذوق مواجدهم، ويعاني تجاربهم، ويدرك آلامهم وآمالهم، ويعرف نوازعهم وأشواقهم، ويعلم ضروراتهم وأثقالهم .. ومن ثَمَّ يعطف على ضعفهم ونقصهم،
(1) السيرة النبوية دروس وعبر ص 18، المكتب الإسلامي، الطبعة الثامنة.
(2) في ظلال القرآن ص 2253.