فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 94

وأمره الله - تعالى - بالجهاد من حين بعثه، وقال: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرًا فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادًا كبيرًا) ، فهذه سورة مكية أمر فيها بجهاد الكفار بالحجة والبيان وتبليغ القرآن، وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال - تعالى: (ياأيها النبي جاهد الكفار والمنافين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير) ، فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة وورثة الرسل والقائمون به أفراد في العالم والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا هو الأقلين عددًا فهم الأعظمون عند الله قدرًا.

ولما كان من أفضل الجهاد قول الحق مع شدة المعارض مثل أن تتكلم به عند من تخاف سطوته وأذاه كان للرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - من ذلك الحظ الأوفر، وكان لنبينا - صلوات الله وسلامه عليه - من ذلك أكمل الجهاد وأتمه [1] .

وقال أيضًا - رحمه الله: وأكمل الخلق عند الله، من كمل مراتب الجهاد كلها [2] ، والخلق متفاوتون في منازلهم عند الله، تفاوتهم في مراتب الجهاد، ولهذا كان أكمل الخلق وأكرمهم على الله خاتم أنبيائه ورسله، فإنه كمّل مراتب الجهاد، وجاهد في الله حق جهاده، وشرع في الجهاد من حين بعث إلى أن توفاه الله - عز وجل - فإنه لما نزل عليه: (ياأيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر * وثيابك فطهر) ، شمر عن ساق الدعوة، وقام في ذات الله أتم قيام، ودعا إلى الله ليلًا ونهارًا، وسرًا وجهارًا، ولما نزل عليه: (فاصدع بما تؤمر) ، فصدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم، فدعا إلى الله الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والأحمروالأسود، والجن والإنس.

ولما صدع بأمر الله، وصرح لقومه بالدعوة، وناداهم بسب آلهتهم، وعيب دينهم، اشتد أذاهم له، ولمن استجاب له من أصحابه، ونالوه ونالوهم بأنواع الأذى. وهذه سنة الله - عز وجل - في

(1) زاد المعاد (3/ 5)

(2) راجع مراتب الجهاد في زاد المعاد (3/ 9 - 11)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت