ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنَّ الله به عليهم من الفضائل، علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى. أ. ه [1]
وكثير مما سبق ذكره، مما أوجب للصحابة - رضي الله عنهم - هذه المنزلة العالية، وهذه الفضائل التي ليست لغيرهم ممن سبقهم، ولا تكون أبدًا لمن يأتي بعدهم، إنما يعرف من السيرة، فيعرف منها الصحابة الذين أسلموا قبل الفتح وبعده، ويعرف ما هو التغير الذي حدث بعد هذا الفتح، فأوجب التفاوت في الدرجة، كذلك أهل بدر، وفضلهم، وكيف وقعت هذه الوقعة، وفي أي ظروف قاتلوا، وكيف نصر الله بهم دينه، وأهل بيعة الرضوان وفي أي ظروف بايعوا، وعلى أي شيء بايعوا فأوجب ذلك لهم هذه المنقبة العظيمة، فلا يدخل أحد ممن بايع تحت الشجرة النار أبدًا. فضلًا عن الأعمال العظيمة التي قام بها أفراد الصحابة، وكثير من البطولات والتضحيات، من هؤلاء الصحابة.
ولذلك قال الخطيب البغدادي - رحمه الله: على أنه لو لم يرد من الله - عز وجل - ورسوله فيهم شيء، لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة، والجهاد، والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين، القطعَ على عدالتهم، والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤون من بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء، ومن يعتد بقوله من الفقهاء. أ. ه [2]
وشرح هذه الحال التي ذكرها الخطيب - رحمه الله - وبيانها في السيرة النبوية، والحمد لله.
(1) مجموع الفتاوى (3/ 152 - 156) ، باختصار.
(2) الكفاية في علوم الرواية، ص 49، في باب ما جاء في تعديل الله ورسوله للصحابة، مع تصرف يسير.