وأما قول بعض الناس: إن الثور يحرك رأسه فيحرك الأرض فهذا جهل [1] ، وإن نقل عن بعض الناس، وبطلانه ظاهر، فإنه لو كان كذلك لكانت الأرض كلها تزلزل، وليس الأمر كذلك والله أعلم [2] .
* وقال الحافظ ابن قيم الجوزية (ت 751 هـ) :"ولما كانت الرياح تجول فيها (أي الأرض) وتدخل في تجاويفها وتحدث فيها الأبخرة وتخفق الرياح ويتعذر عليها المنفذ أذن الله سبحانه لها في الأحيان بالتنفس فتحدث فيها الزلازل العظام."
فيحدث من ذلك لعباده الخوف والخشية والإنابة والإقلاع عن معاصيه والتضرع إليه والندم كما قال بعض السلف - وقد زلزلت الأرض:
"إن ربكم يستعتبكم".
وقال عمر بن الخطاب - وقد زلزلت المدينة فخطبهم ووعظهم وقال:"لئن عادت لا أساكنكم فيها [3] "ا. هـ
فهذا التفسير العلمي وغيره - إن صح- ما هو إلا تحليل لأسباب هذه الآية الكونية. والله سبحانه مسبب الأسباب ومجري الأفلاك ذو حكمة بالغة وذو قدرة مقتدرة.
ولا أستغرب من كلام من يقول:"إن هذا أمر طبيعي لا علاقة له بالدين وليس هناك من ورائه حكمة"إذا كان ممن لا يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر وينصب كلامه فقط على تحليل الأسباب العلمية لمثل هذه الظواهر: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 7] .
فهذا شيء متوقع ممن لا يؤمن بمن رفع السماء بلا عمد، وفرش الأرض وجعلها قرارًا ومهادًا، يدبر الأمر، ويسير الأفلاك، وهو الحكيم الخبير.
ولكني أتعجب ممن يزعم أنه مسلم ويردد هذا الكلام! ويرمي من يتكلم في الحكمة من هذه الظواهر بالتخلف والجهل!
أما قرأ هذا الهالك قول الله في كتابه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء: 59] .
ولكن الأمر كما قال الله: {وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا} [الإسراء: 60] .
نعوذ بالله من الخذلان!
(1) ومثله ما قيل عن هناك جبل يسمى قاف محيط بالدنيا وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل الذي يلي تلك القرية فيزلزلها ويحركها .. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (4/ 221) :"وكأن هذا والله أعلم من خرافات بني إسرائيل التي أخذها عنهم بعض الناس"ا. هـ.
(2) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (24/ 264) .
(3) مفتاح دار السعادة (1/ 221) ، وسيأتي الكلام على هذه الآثار التي أوردها ابن القيم رحمه الله.