"هذه الآيات التي يرسل الله لا تكون لموت أحد ولا لحياته، ولكن يخوف الله بها عباده ...." [1] .
وفي حديث أبي بكرة رضي الله عنه:"إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد، ولكن الله تعالى يخوف بهما عباده" [2] .
قال الحافظ ابن حجر:"قوله يخوف: فيه رد على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتأخر ولا يتقدم؛ إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجزر والمد في البحر"ا. هـ [3] .
وقد ظن بعض الناس أن الحسابات العلمية والأسباب التي يتكلم فيها أهل الاختصاص تعني أنه لا حكمة من وراء ذلك، وهذا خطأ واضح واعتقاد فاسد.
قال العلامة ابن دقيق العيد:"في قوله صلى الله عليه وسلم: يخوف الله بهما عباده إشارة إلى أنه ينبغي الخوف عند وقوع التغيرات العلوية."
وقد ذكر أصحاب الحساب لكسوف الشمس والقمر أسبابًا عادية. وربما يعتقد معتقد أن ذلك ينافى قوله عليه السلام:"يخوف الله بهما عباده"وهذا الاعتقاد فاسد؛ لأن لله تعالى أفعالًا على حسب الأسباب العادية، وأفعالًا خارجة عن تلك الأسباب، فإن قدرته تعالى حاكمة على كل سبب ومسبب، فيقطع ما شاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض.
فإذا كان ذلك كذلك فأصحاب المراقبة لله تعالى ولأفعاله، الذين عقدوا أبصار قلوبهم بوحدانيته، وعموم قدرته على خرق العادة، واقتطاع المسببات عن أسبابها إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة اعتقادهم في فعل الله تعالى ما يشاء، وذلك لا يمنع أن يكون ثمة أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله تعالى خرقها، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم عند اشتداد هبوب الريح يتغير ويدخل ويخرج خشية أن تكون كريح عاد، وإن كان هبوب الريح موجودًا في العادة.
والمقصود بهذا الكلام: أن يعلم أن ما ذكره أهل الحساب من سبب الكسوف: لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى، وإنما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الكلام لأن الكسوف كان عند موت ابنه إبراهيم، فقيل: إنها إنما كسفت لموت إبراهيم فرد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك"ا. هـ. [4] "
وهكذا نقول في الزلازل: أن يذكره علماء الأرض من أسباب للزلازل لا ينافي كون ذلك مخوفًا لعباد الله تعالى من بأسه وسوطه وغضبه وانتقامه.
* ومما يدل على أن مثل هذه الآيات من الزلازل وغيرها إنما هي تخويف للعباد وتحذير لهم من سطوته ما جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:"كانت الريح الشديدة إذا هبت عرف ذلك في وجه النبي صلى الله عليه وسلم" [5] .
(1) (( البخاري(1059) . ومسلم (912) (24) .
(2) (( البخاري(1048) .
(3) (( فتح الباري(2/ 624) .
(4) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (1/ 349، 350) .
(5) البخاري (1034) .