قال الحافظ ابن حجر:"لما كان هبوب الريح الشديدة يوجب التخوف المفضي إلى الخشوع والإنابة كانت الزلزلة ونحوها من الآيات أولى بذلك، لا سيما وقد نص في الخبر على أن أكثر الزلازل من أشراط الساعة"ا. هـ [1] .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى مخيلة في السماء أقبل وأدبر ودخل وخرج وتغير وجهه، فإذا أمطرت السماء سري عنه، فعرفته عائشة ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما أدري لعله كما قال قوم عاد: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ} [الأحقاف: 24] [2] ."
وفي الحديث: تذكر ما يذهل المرء عنه مما وقع للأمم الخالية، والتحذير من السير في سبيلهم خشية من وقوع مثل ما أصابهم [3] .
* وتأمل معي حال القلوب عند وقوع الزلازل والآيات وقد دب فيها الخوف والهلع وحالها بعد انكشاف الضر، ففيه إشارة للمسلم وتنبيه له على سلوك طريق الخوف والرجاء [4] .
* قد تكون الزلازل غضبًا وانتقامًا من الكافرين:
ينبغي أن يعلم أن الذنوب التي أهلك بها الأمم على قسمين:
(أ) معاندة الرسل وجحد رسالاتهم.
(ب) الإسراف في الفجور والذنوب.
فالقسم الأول: يهلك الله تعالى أصحاب هذا القسم ويعذبهم عذاب استئصال وإبادة كما فعل بقوم نوح وعاد وثمود لوط وشعيب وأضرابهم.
قال تعالى: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [العنكبوت:40] .
القسم الثاني: يصابون بالمجاعات والجوائح والأمراض والاختلاف والزلازل وغير ذلك وقد يكون مع ذلك موت وقد لا يكون، وعذاب هذه الأمة الإسلامية من هذا القبيل، فإن الله تعالى لا يستأصلها ولا يهلكها بالمرة كما كان يفعل مع الأجيال السابقة ولكنه يعذبهم بأنواع عديدة متنوعة من البلاء وسيأتي الكلام على عذاب المسلمين بالزلازل والبلايا في الدنيا.
وعذاب الله تعالى وعقابه للأمم لا يختص بنوع واحد ولا لون معين بل جرت سنة الله تعالى في تنويعه على ألوان مختلفة ومتنوعة، فهو قد يكون صاعقة، أو غرقًا، أو فيضانًا، أو ريحًا، أو خسفًا، أو قحطًا ومجاعة وارتفاعًا في الأسعار، أو أمراضًا، أو ظلمًا وجورًا، أو فتنًا بين الناس واختلافًا، أو مسخًا في الصور، أو مطرًا بالحجارة أو رجفة
(1) (( فتح الباري(2/ 605) .
(2) (( البخاري(3206) ومسلم (899) (15) . مَخِيلة: هي السحابة التي يخال فيها المطر. سُري عنه: أي كُشِف عنه.
(3) (( فتح الباري(6/ 348) .
(4) (( راجع فتح الباري(6/ 619) .