ورجفة من أسفل منهم ففاضت الأرواح وزهقت النفوس وسكنت الحركات وخشعت الأصوات، وحقت الحقائق، فأصبحوا في دارهم جاثمين، جثثًا لا أرواح فيها ولا حراك بها.
قال تعالى: {كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا} [هود: 68] ، أي لم يقيموا فيها في سعة ورزق وغناء {أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْدًا لِثَمُودَ} [هود: 68] أي نادى عليهم لسان القدر بهذا [1] .
والشاهد من القصة: أنهم مع هلاكهم بالصيحة من السماء جاءتهم الرجفة من أسفل منهم.
والرجفة: هي التحرك والاضطراب الشديد، والرجفة الزلزلة، ورجفت الأرض ترجف رجفًا: اضطربت. ورجف البلد إذا تزلزل، وقد رجفت الأرض وأَرْجَفَتْ وأُرْجِفَتْ إذا تزلزلت [2] .
-هلاك مدين - قوم شعيب - بالرجفة والصيحة وعذاب يوم الظلة:
وكذلك قص الله علينا في القرآن الكريم كيفية إهلاكه لمدين لما كذبوا نبي الله شعيب بعد أن نصح لهم وبلغهم ما أرسل به إليهم.
ثم استفتح عليهم واستنصر ربه على قومه الذين جحدوه وكفروه وخالفوه فجاءهم عقاب الله .. ويا له من عقاب!!
قال الله تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 78] .
فذكر سبحانه في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة، أي رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالًا شديدًا، أزهقت أرواحهم من أجسادهم، وصيرت حيوان أرضهم كجمادها، وأصبحت جثثهم جاثية، لا أرواح فيها ولا حركات بها، ولا حواس لها.
وقد جمع الله عليهم أنواعًا من العقوبات، وصنوفًا من المثلات، وأشكالًا من البليات؛ وذلك لما اتصفوا به قبيح الصفات، سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكتت الحركات، وصيحة عظيمة أخمدت الأصوات، وظلة أرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائهم والجهات.
ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها.
1 -في سياق سورة الأعراف: أرجفوا نبي الله وأصحابه، وتوعدوهم بالإخراج من قريتهم، أو ليعودن في ملتهم، فقال تعالى: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [الأعراف: 78] . فقابل الإرجاف بالرجفة، والإخافة بالخيفة، وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السياق.
2 -وأما في سورة هود: فذكر أنهم أخذتهم الصيحة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين، وذلك لأنهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص: {أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: من الآية 87] . فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطي هذا الكلام القبيح، الذي واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة أسكنتهم.
(1) البداية والنهاية لابن كثير (1/ 128، 129) .
(2) لسان العرب مادة ر. ج. ف.