الصفحة 34 من 63

3 -وأما في سورة الشعراء: فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة، وكان ذلك إجابة لما طلبوا وتقريبًا إلى ما إليه رغبوا، فإنهم قالوا: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} قال الله تعالى وهو السميع العليم: {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الشعراء: 185 - 189] .

ذكروا أنه أصابهم حر شديد، وأسكن الله هبوب الهواء عنهم سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل، ولا دخولهم في الأسراب، فهربوا من محلتهم إلى البرية، فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها فلما تكاملوا فيها أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب، ورجفت بهم الأرض وجاءتهم صيحة من السماء فأزهقت الأرواح وخربت الأشباح.

ونجى الله شعيبًا ومن معه من المؤمنين كما قال تعالى وهو أصدق القائلين: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ} [هود: 94 - 95] [1] .

وعلى كل فالزلازل قد تكون عقابًا من الله تعالى:

وقد قال عمر بن عبدالعزيز رحمه الله:"إن هذا الرجف شيء يعاقب الله به العباد" [2] .

* ومما يلتحق بالزلازل: الخسف والمراد به ذهاب المكان ومن عليه وغيبوبته في بطن الأرض. وخسف بالرجل وبالقوم إذا أخذته الأرض ودخل فيها والخسف: سؤوخ الأرض بما عليها [3] كما حكى الله تعالى عن قارون وما حل به فقال: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص: 81] .

قال الشيخ عبدالله التليدي:"وهذا الخسف قد حصل في عصرنا مرات متعددة في جميع الأقطار وكل أنحاء المعمورة، بل لا تمر بضعة أشهر بدون أن يقع في بعض البلاد ولعل ما نزل بمدينة أكادير بمغربنا الأقصى العربي سنة 1380 هـ من أعظم الخسوفات التي شاهدتها الإنسانية في عصرنا الحاضر، وما ذلك إلا لما كان ولا يزال في تلك المدينة من الفجور وأنواع الفسوق واللعب واللهو وقد حدثنا عنها أنها فاقت أو كادت تفوق كل مدن المغرب في تلك الميادين المجونية، ولذلك أنزل الله تعالى بها ذلك الخسف العظيم والزلزال الفظيع المدهش" [4] .

* قد تكون الزلازل عذابًا في الدنيا وتطهيرًا ورحمة للمسلمين:

فقد أخبرنا الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى بأن هذه الأمة أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة وأن الله تعالى جعل عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل والقتل.

(1) البداية والنهاية لابن كثير (1/ 176، 178) .

(2) (( حلية الأولياء لأبي نعيم(5/ 304، 305) وراجع ص (56) .

(3) لسان العرب مادة خ. س. ف.

(4) أسباب هلاك الأمم ص (108، 109) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت