وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تلظى؟!
وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟!
وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟!
وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرًا؟!
وما الذي أهلك قوم صاحب يس بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟!
وما الذي بعث على بني إسرائيل قومًا أولي بأس شديد، فجاسوا خلال الديار وقتلوا الرجال، وسبوا الذرية والنساء، وأحرقوا الديار ونهبوا الأموال، ثم بعثهم عليهم مرة ثانية فأهلكوا ما قدروا عليه وتبروا ما علوا تتبيرًا؟ [1] .
ومن آثار الذنوب والمعاصي: أنها تحدث في الأرض أنواعًا من الفساد في المياه والهواء والزروع والثمار والمساكن، قال تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41] قال ابن زيد: الذنوب.
أراد أن الذنوب سبب الفساد الذي ظهر، وإن أراد أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها فيكون اللام في قوله: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} [الروم: 41] لام العاقبة والتعليل.
وعلى الأول: فالمراد بالفساد النقص والشر والآلام التي يحدثها الله في الأرض عند معاصي العباد، فكلما أحدثوا ذنبًا أحدث لهم عقوبة، كما قال بعض السلف: كلما أحدثتم ذنبًا أحدث الله لكم من سلطانه عقوبة.
والظاهر - والله أعلم - أن الفساد المراد به الذنوب وموجباتها، ويدل عليه قوله تعالى: {لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا} [الروم: من الآية 41] فهذا حالنا وإنما أذاقنا الشيء اليسير من أعمالنا، فلو أذاقنا كل أعمالنا لما ترك على ظهرها من دابة [2] . ا. هـ.
وقال الحافظ ابن القيم أيضًا:"ومن تأثير المعاصي في الأرض: ما يحل بها من الخسف والزلازل ويمحق بركتها، وقد مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ديار ثمود، فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون، ومن شرب مياههم، ومن الاستسقاء من آبارهم، حتى أمر أن يعلف العجين الذي عجن بمياههم للنواضح لتأثير شؤم المعصية في الماء."
وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: (وجد في خزائن بني أمية حبة حنطة بقدر نواة التمر، وهي في صرة مكتوب عليها: كان هذا ينبت في زمن العدل) وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب". ا. هـ [3] ."
(1) الجواب الكافي لابن القيم ص (85، 86) .
(2) الجواب الكافي ص (124: 126) .
(3) الجواب الكافي ص (124: 126) .