فإضافة السنة إلى الأولين لملابستها لهم وجريانها عليهم [1] وفي ذلك نوع من لفت أنظار المعاندين إلى أن السنة الماضية والقانون الحاكم لخلق الله - عز وجل - أجري على الناس جميعًا دون مجاملة ولا محاباة «فإن سنة الله في الأولين لا تتخلف، ولقد مضت سنة الله تعالى أن يعذب المكذبين بعد التبليغ والبيان وأن يرزق أولياءه النصر والعز والتمكين، وهذه السنة ماضية لا تتخلف، وللذين كفروا أن يختاروا وهم على مفترق الطرق» [2] .
ومن الآيات الكريمة التي وردت فيها لفظ سنة قوله تعالى في سورة الحجر: {وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ * لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ} [3] والآيات الكريمة تتحدث عن صورة من صور الصراع بين الحق والباطل، ولون من جدل أهل الباطل مع الحق وحزبه، فدلت الآيات الكريمة على أن هؤلاء المعاندين الرافضين لا يؤمنون ولن تشرب قلوبهم روح التصديق وقد كذبوا؛ إذ إنهم رأوا الآيات واضحات والدلالات بينات ومع ذلك رفضوا الإيمان وعاندوه.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة الإسراء: {وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلا * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلا} [4] . والآية الكريمة وردت في سياق الحديث عن الصراع أيضًا بين الحق والباطل، وموقف هؤلاء المعاندين من الدعوة والداعية والرسالة والرسول، ورغبتهم في أن يخرجوه من الأرض التي يدعو فيها إلى الله عز وجل، وموقف صاحب الدعوة والرسالة بقدرته المطلقة وعزته وحكمته من هؤلاء في أنهم لا يخلفون الرسول لو أخرجوه من الأرض، ورد الفعل هذا ليس خاصا بالرسول صلى الله عليه وسلم وحده بل هو قانون مطرد وسنة ماضية لا تتحول ولا تتبدل.
ومن ذلك أيضًا قوله تعالى في سورة الكهف: وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلا * وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا * وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا
(1) انظر تفسير المنار، جـ 9 صـ 552.
(2) انظر: في ظلال القرآن، جـ 3 صـ 1508، ط الشروق، ط الرابعة، 1397 هـ 1977 م.
(3) الحجر: 13 - 15.
(4) الإسراء: 76 - 77.