بعد هذه الرحلة مع السنن الربانية في لسان العرب ومضامين القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم نريد أن تختم هذه الدراسة بنقاط نوجزها في الآتي:
أولا: اهتمام القرآن الكريم بالحديث عن السنن والقوانين التي تحكم سلوك البشر وتنظم حياتهم؛ حيث وردت لفظة السنن مفردة ومجموعة ثماني عشرة مرة، عدا ذكر السنن الفعلية؛ كسنة النصر والإهلاك والتسخير والأجل، والتداول الحضاري والإنذار والترف والمترفين والظلم والظالمين والمكر والماكرين، وقيام الحضارات واندثارها، والبقاء والفناء. وشكر النعم وكفرها، وسنة التغيير والصراع بين الحق والباطل والتمكين، والابتلاء والاستخلاف والتدرج والهداية والإضلال، والأسباب والمسببات والتزاوج والرزق.
ثانيا: مدى تقصير المسلمين في الدراسات التي تعنى بهذا الجانب من جوانب الفهم القرآني، وتوظيف هذه السنن والانتفاع بها، وقل من المسلمين من أفرد لهذه الجوانب حديثا يتناسب مع قيمتها وأهميتها، على الرغم أنها جانب من جوانب بناء الشخصية المسلمة؛ بل الشخصية الإنسانية يفوتها خير كثير بفقدان فهم هذه السنن والتعامل معها. وإذا كانت دراسة هذه السنن فريضة لأن القرآن دعا إلى فهمها وحسن التعامل معها، فإنها ضرورة حياتية تحتمها وضعية البلاد المسلمة التي ارتبط فيها الفقر والمرض والجهل، ثالوث الدمار كما يسمى، ارتبط بهم على أنهم مسلمون، والحق أن الإسلام برئ من هذا التردي الذي يعيشه المسلمون.
ثالثا: بان من خلال هذه الدراسة كذلك أن هناك آثارا مدمرة تترتب على إهمال التعامل مع سنن الله تعالى في الكون، وهذا الإهمال الذي قد يصل إلى التأثير على جوانب الفكر فتظهر مقولات ظالمة وأفكار غير متزنة، والسبب وراء ذلك عدم فهم السنن الربانية فهما قرآنيا.
رابعا: بان كذلك أن للسنن الربانية خصائص وصفات فهي مطردة شاملة عامة، لا تتبدل ولا تتغير ولا تتحول، وهي لا تحابي ولا تجامل، كما أنها لا تخالف المعجزة والخوارق. فهناك قوانين تحكم المعجزات وقوانين تحكم السنن الجارية فلا تعارض ولا تنافر؛ بل كل في فلك يسبحون.
خامسا: كما أن هذه السنن مربوبة لله تعالى وخاضعة لأمره ونهيه، فهي غير مستقلة ولا ثابتة الفعل؛ فالكون كله بقوانينه الكونية والربانية يخضع لمشيئة واحدة وإرادة قاهرة، وهي إرادة الله عز وجل.