المبحث الثاني
حجية السنن الربانية
سبق أن تناولت الدراسة الحديث عن خصائص السنن الربانية من الشمول والاطراد وعدم التبدل أو التحول، ويطرأ هنا سؤال عن السنن الربانية وعن دلالتها قطعية؟ , والناظر في آيات السنن الربانية يجد في البداية أنها قطعية الثبوت، وذلك لأنها جزء من آيات القرآن الكريم الذي ثبت كله ثبوتا قطعيا، أما دلالتها من حيث كونها حجة يعتمد عليها ويستدل بها فإنها أيضا قطعية الدلالة على المراد منها؛ وذلك لكثرة تكررها والتأكيد عليها وعلى مدلولاتها، والأمر في خواتيمها بالاعتبار والاتعاظ سواء كان ذلك في الآيات التي ورد فيها لفظ «السنن» صراحة، أو الآيات التي تناولت تفصيل السنن كالتداول الحضاري، والأجل، والتسخير، والإهلاك، وشكر النعم وكفرها، والتغيير، والترف والمترفين، إلى غير ذلك من السنن المبثوثة في القرآن الكريم.
ولو لم تكن السنن الربانية قطعية الدلالة لما أمر الله تعالى بالسير في الأرض والنظر فيمن جرت عليهم سننه عز وجل كقوله: {قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ. هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ * وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ} [1] .
ومن هنا فهم العقلاء هذه الحجية للسنن الربانية، فاستدلوا بها وأقاموا من خلالها الحجة على أقوامهم؛ فمؤمن آل فرعون يقول لقومه ساحبًا حكم من سبق عليهم لتحققهم بصفاتهم: {يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُّضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} [2] .
(1) آل عمران: 137 - 141.
(2) غافر: 30 - 34.