المبحث الثاني
مفهوم السنن الربانية في القرآن الكريم
وردت لفظة سنة في القرآن الكريم ثماني عشرة مرة، منها قول الله -سبحانه وتعالى-: {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ} [1] وقد وردت هذه الآية الكريمة في سياق الحديث عن الكافرين وموقفهم من الإسلام، وإنفاقهم أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وأنهم سينفقونها وستكون عليهم حسرة ثم يغلبون، فأتت هذه الآية الكريمة لتبين لهم أنهم إن انتهوا فإن الله بحلمه وفضله ورحمته سيغفر لهم، وإن يعودوا لما درجوا عليه ويصدوا عن الإسلام بأفعالهم السابقة فقد خلت (سنة) الله تعالى في الأمم الماضية، وسيجري عليهم ما جرى على من سبقهم للذين كفروا.
يقول إمام المفسرين الإمام الطبري عند تناوله لهذه الآية الكريمة: قل يا محمد لمشركي قومك: إن ينتهوا عما هم عليه مقيمون من كفرهم بالله ورسوله وقتالك وقتال المؤمنين فينيبوا إلى الإيمان يغفر الله لهم ما قد خلا ومضى من ذنوبهم قبل إيمانهم وإنابتهم إلى طاعة الله وطاعة رسوله بإيمانهم وتوبتهم، وإن يعودوا لقتالك بعد الوقعة التي أوقعتها بهم يوم بدر فقد مضت سنتي في الأولين منهم ببدر ومن غيرهم من القرون الخالية؛ إذ طغوا وكذبوا رسلي ولم يقبلوا نصحهم من إحلال عاجل النقم بهم، فأحل بهؤلاء إن عادوا لحربك وقتالك مثل الذي أحللت بهم [2] .
ويقول الإمام محمد عبده - رحمه الله-: {وَإِنْ يَعُودُوا} أي إلى العداء والصد والقتال. {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأوَّلِينَ} : أي تجري عليهم سنته المطردة في أمثالهم من الأولين الذين عادوا وقاتلوهم .. وهي السنة التي عبر الله عنها بمثل قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الأذَلِّينَ * كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [3] وقوله: {إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ} [4]
(1) الأنفال: 38.
(2) انظر: جامع البيان عن تأويل أي القرآن م السادس، جـ 9، ط دار الريان للتراث، 1407 هـ/ 1987 م، بتصرف يسير. وانظر قريبًا من هذا المعنى في تفسير الكشاف، جـ 2 صـ 256، للإمام الزمخشري، مكتبة مصر. ومحاسن التأويل، جـ 5 صـ 292، ط دار الكتب العلمية للإمام القاسمي.
(3) المجادلة: 20 - 21.
(4) غافر: 51.