المبحث الرابع
موارد السنن الربانية
القرآن الكريم دستور البشرية ومنهاج حياتها، جعله الله تعالى آخر كلماته إلى أهل الأرض، تجمع فيه من الهدى والرشاد ما جعل الجيل السابق يقول: لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في القرآن.
إن القرآن الكريم ليس كتاب منطق ولا فلسفة بمعناها المعروف، إلا إنه سلك مع المخاطب لإقناعه وإرشاده والأخذ بيده إلى طريق الله المستقيم كل أسلوب {إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [1] .
{لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [2] .
{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [3] . {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ} [4] حتى عرف عن منهج القرآن الكريم في الإقناع أنه للعرض لا للفرض، وللتعامل مع العقل لا لإكراه العقل على غير ما يريد، وليس أدل على ذلك من تكرار لفظ اللب والعقل والفكر، والنُّهى والذكر والعلم ومشتقاتها في القرآن الكريم عشرات المرات.
بل إن الأمر أبعد من ذلك وأدق؛ لقد جعل الإسلام (والقرآن مصدره الأول) العقل مناط التكليف ومرتكز الأمر والنهي، فإذا زال العقل سقط التكليف حتى كتب علماء الأصول بابا طويل الذيول والأكمام في هذا المقصد، سموه (عوارض الأهلية) أي الأشياء التي تعرض للمكلف فتزيل أهليته للتكليف.
ومن أول هذه العوارض زوال العقل.
ومن الأساليب الإقناعية التي استخدمها القرآن الكريم الإرشاد إلى مصارع الغابرين، وذكر الوقائع التي جرت عليهم، والأحداث التي حلت بهم من بؤس ونعم وخير وشر، فكثر في القرآن الكريم الأمر بالسير في الأرض والاعتبار بمصارع الغابرين وأحوال الماضين.
(1) سبأ: 46.
(2) البقرة: 256.
(3) الإنسان: 2.
(4) البلد: 10.