المبحث الثالث
السنن الربانية في السنة المطهرة
الناظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كلاما وعملا - وهي الجانب التفصيلي للقرآن الكريم - يجد كيف كان صلوات الله وسلامه عليه يحسن التعامل مع سنن الله في كونه وقوانينه في عباده، فما من معركة إلا والرسول يتعامل مع الأسباب؛ يجعل مقدمة ومؤخرة وميمنة وميسرة وقائدا، ثم يقبل على الله تعالى ملحًّا في دعائه مبتهلا في رجائه، فهذا نوع من إدراك سنن النصر التي تعتمد على أسباب مادية وأسباب معنوية، وهذا الأخذ بالأسباب في حد ذاته سنة من سنن الله تعالى في الكون.
وفي مجال التربية: حين يربي الرسول أصحابه على قيمة من القيم تلمح استصحاب هذا الإدراك القوي للسنن التي بثها الله تعالى في خلقه، فحديثه عن اتباع سنن مَنْ قبلنا من الوضوح بمكان، وإرشاده لمن يستجديه من الناس إلى سنة الله في الرزق واضحة عندما يأمره بأن يذهب فيشتري قدوما ويحتطب، وإرشاده الأعرابي إلى عقل الناقة وربطها عندما قال له: يا رسول الله، أأتركها وأتوكل على الله، قال: (بل اعقلها وتوكل) [1] .
وتصويره للمجتمع الذي يتعاون على البر والتقوى، والذي يتعاون على الإثم والعدوان بمجتمع في سفينة في قوله: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إن أرادوا الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا وهلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا [2] . تصوير دقيق لسنن الله تعالى في الأجسام والمجتمعات، فإذا كانت السفينة يحكمها قانون الطفو فإن المجتمع يحكمه قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وكقوله: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى والسهر» [3] .
(1) - انظر سنن الترمذي: 3/ 668, وقال الألباني حسن, وصحيح ابن حبان: 2/ 510,.
(2) صحيح البخاري، كتاب الشركة، باب (هل يقرع في القسمة والاستهام فيه) . والترمذي، كتاب الفتن. وأحمد (أول مسند الكوفيين) .
(3) - مسلم 4/ 1999.