المبحث الثاني
العلم بالسنن الكونية طريق إلى معرفة السنن الربانية
إن الناظر في الكون وما فيه وأطرافه وخوافيه يدرك أنه آية تدل على الخالق وعلاقة ترشد إلى الملك الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، وقد ورد في القرآن الكريم آيات وعبارات تغري بالتفكر في الكون والانتقال من خلاله إلى المكون، حتى لا يكون المرء كحمار الحي ينتقل من مكان إلى مكان والذي انتقل منه هو الذي انتقل إليه.
والكون أحد الجناحين اللذين يسير بهما إلى مظاهر قدرة الله عز وجل؛ أما الجناح الثاني فهو القرآن الكريم، والقرآن والكون يتلاقيان تلاقي أثرين لمؤثر واحد، وعنصرين يخرجان من مشكاة واحدة؛ فإن خالق الأول وصاحب الثاني واحد وهو الله سبحانه وتعالى.
(والعلم بسنن الله تعالى الكونية العامة طريق إلى العلم بسنن الله الخاصة في المجتمع البشري، ومعرفة تقلبات الحياة به، ومعرفة تطوره ومعرفة عوامل هذا التطور، ومعرفة مدى سلطان هذه السنن الإلهية على المجتمع؛ لأن العلم بهذه السنن عامة وخاصة هو القيم على توجيه الحياة وتعرفها بما وضع الله في خصائصه من طاقات لتصوير الظواهر الكونية ودوافعها القريبة أو البعيدة، وهذا العلم بالسنن الإلهية هو الذي وضع المجتمع الإسلامي في مكان الصدارة من الحياة يوم أن كان العلم بأوسع معانيه هو القائد لهذا المجتمع، فطاف آفاق السماوات والأرض نظارًا باحثًا ليستشف الحقائق الكونية من وراء السجف، يكشفها له القرآن ويهديه إلى أصولها.
والقرآن العظيم إذا تحدث عن سنن الله في المجتمع الإنساني فإنه يتحدث عنها كحلقة في سلسلة النظام الكوني القائم على التناسق بين عناصر الكائنات الوجودية تناسقًا تؤدي به عملها الذي تقتضيه طبيعة وجودها في مكانها من الحياة، فهو يتحدث عن نشأة هذا المجتمع نشأة استقلالية النوع ولكنه مرتبط أشد الارتباط بهذه الأرض يعيش عليها؛ لأنه بمادتها خلق وإليها بهذه المادة يعود {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} [طه: 55] وبهذا الارتباط يحقق التوازن بين عناصر بنائه بناء اجتماعيا ينبع منه تفكيره وأخلاقه وطرائق عيشه ومراحل أطواره الاجتماعية صعودًا وإعزازًا في منازل الوجود المقدر له) [1] . والذي يتابع رصد الآيات القرآنية يرى لأول وهلة هذا الترابط بين سنن الله في الكون وسنته في النظام البشري، وهذا التمهيد من الأول للثاني، حتى لا
(1) انظر سنن الله في المجتمع، ص 20 - 26.