فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 89

يكاد يوجد حديث عن السنن الربانية أو نظام الله تعالى الذي يحكم سلوك البشر إلا ويسبقه أو يعقبه حديث عن نظام الله في الكون.

ومن هنا كان الأمر بعد الأمر في القرآن الكريم للإنسان مطلق الإنسان بأن يسير ويتفكر وينظر ويعتبر ويتأمل الأحداث الماضية والوقائع الجارية حتى يأخذ من أمسه ليومه ومن يومه لغده، وينتفع بتجارب السابقين.

وطريقة عرض القرآن الكريم لهذه الفكرة تلونت وتنوعت بأكثر من نوع، وظهرت في أكثر من صورة؛ فمرة يتحدث القرآن الكريم عن حلقة من حلقات الصراع بين الحق والباطل، ويأمر رسوله والأمة - في شخصه الكريم - باستخلاص العظة واستلهام العبرة؛ كقوله تعالى بعد أن قص طبيعة الصراع في قصة نوح عليه السلام: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [1] ومرة يضرب للناس مثلا لعلهم يتفكرون، وثالثة يغري الناس بالتأمل في القوانين الماضية والسنن الصارمة.

من هنا يمكننا أن نقول: إن هذا الترابط بين سنن الله في الكون وسنته في المجتمع الأولى تمهيد للثانية، والثانية تصديق للأولى، فهما يخرجان جميعًا من مشكاة واحدة، والذي يعلم سنة الله في الكون بقوانينه الصارمة ينبغي أن يدله ذلك إلى سنن الله في المجتمع، فإذا كانت بذرة لا تخرج بغير مقومات الحياة ولا تثمر من فراغ، فإن نصرًا لا يتحقق بدون أسبابه وصاحب الأمر والنهي في كل ذلك الله رب العالمين. فالعلم بالسنن الكونية طريق إلى العلم بالسنن الربانية.

(1) هود: 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت