المبحث الرابع
أهمية دراسة السنن والآثار المرتبة على إهمالها
النظر في السنن الإلهية فريضة وضرورة، فهو فريضة للآيات الكريمة التي تحث على النظر والسير والاعتبار بمن خلوا، والتفكر في آثار الذاهبين؛ فالسعيد من وعظ بغيره والشقي من وعظ بنفسه. وضرورة للظرف الراهن الذي يمر به المسلمون اليوم، ولأمر ما كانت توجيهات القرآن الكريم للمسلمين عقب كل قصة من قصصه في خلاصة نادرة كأنها اختزال للحدث كله وإشارة للاحقين للانتفاع من أحوال السابقين، فعندما تقرأ قصة قارون في سورة القصص تجد في نهايتها ما يشبه السنة العامة والقانون المطرد في قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [1] .
وهكذا في كل قصة من قصص القرآن الكريم حتى يظل عطاء القرآن الكريم ماضيا ما مضى الليل والنهار، ومعطاء ما وجد من يعي ويعتبر، وقليل من العلماء السابقين الذين توقفوا عند النظر في سنن الله تعالى والكتابة حولها، ومن أبرز هؤلاء صاحب (الإحياء) حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله، الذي يقسم العلم إلى محمود ومذموم، ويقول في بيان قدر المحمود من المعلوم المطلوب: (وأما القسم المحمود إلى أقصى غايات الاستقصاء فهو العلم بالله تعالى وبصفاته وأفعاله وسنته في خلقه وحكمته في ترتيب الآخرة على الدنيا، فإن هذا علم مطلوب لذاته وللتوصل به إلى مادة الآخرة، وبذل المقدور فيه إلى أقصى الجهد قصور عن حد الواجب، فإنه البحر الذي لا يدرك غوره وإنما يحوم الحائمون على سواحله وأطرافه، بقدر ما يسر لهم وما خاض أطرافه إلا الأنبياء والأولياء والراسخون في العلم على اختلاف درجاتهم بحسب اختلاف قوتهم وتعاون تقدير الله تعالى في حقهم، وهذا هو العلم المكنون الذي لا يسطر في الكتب ويعين على التنبيه له التعلم ومشاهدة أحوال علماء الآخرة .. هذا في أول الأمر ويعين عليه في الآخرة المجاهدة والرياضة، وتصفية القلب وتفريغه عن علائق الدنيا والتشبه فيها بالأنبياء والأولياء؛ ليتضح منه لكل سائح إلى طلبه بقدر الرزق لا يقدر الجهد، ولكن لا غنى فيه عن الاجتهاد؛ فالمجاهدة والرياضة ومفتاح الهداية لا مفتاح لها سواه] [2] .
(1) القصص: 83.
(2) انظر: إحياء علوم الدين، جـ 1 صـ 45، ط عيسى البابي الحلبي، بدون تاريخ.