فانظر - رعاك الله - إلى مدى أهمية هذه النظرة إلى هذا الجانب من جوانب فعل الله تعالى في خلقه، والتي جعلها الإمام الغزالي مساوية للعلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وهل سنن الله في خلقه وكونه إلا صنف من أفعاله سبحانه؟ ومن الذين لمحوا إلى أهمية دراسة السنن وضرورة التعرض لها والإفادة منها، حكيم الإسلام الأستاذ الإمام محمد عبده - رحمه الله تعالى - والذي وصف تفسيره أنه (يبين حكم التشريع وسنن الله في الإنسان، وكون القرآن هداية للبشر في كل زمان ومكان». ويوازن بين هدايته وما عاين المسلمون في هذا العصر؛ إذ يقول رحمه الله: «إن إرشاد الله إيانا إلى أن له في خلقه سننا يوجب علينا أن نجعل هذه السنن علمًا من العلوم المدونة لتستديم ما فيها من الهداية والموعظة على أجمل وجه، فيجب على الأمة في مجموعها أن يكون بها قوم يبينون لها سنن الله في خلقه، كما فعلوا في غير هذا العلم من العلوم والفنون التي أرشد إليها القرآن بالإجمال .. والعلم بسنن الله تعالى من أهم العلوم وأنفعها، والقرآن يحمل عليه في مواضع كثيرة، وقد دلنا على مأخذه من أحوال الأمم؛ إذ أمرنا أن نسير في الأرض لأجل اجتلائها ومعرفة حقيقتها [1] .
وجعل رحمه الله المرتبة العليا في فهم تفسير القرآن الكريم، وتفسيره لا يتم إلا بأمور من أهمها (علم أحوال البشر) أو علم السنن الإلهية، (فقد أنزل الله القرآن وبيَّن فيه كثيرًا من أحوال الخلق وطباعهم والسنن الإلهية في البشر؛ فقص علينا أحسن القصص عن الأمم وسيرها الموافقة لسنته فيها، فلابد للناظر في هذا الكتاب من النظر في أحوال البشر وأطوارهم وأدوارهم، ومناشئ اختلاف أحوالهم من قوة وضعف وعز وذل وعلم وجهل وإيمان وكفر، ومن العلم بأحوال العالم الكبير علويه وسفليه، ويحتاج في هذا إلى فنون كثيرة من أهمها علم التاريخ بأنواعه. وأجمل القرآن الكلام عن الأمم وعن السنن الإلهية وعن آياته في السموات والأرض، وفي الآفاق والأنفس، وهو إجمال صادر عمن أحاط بكل شيء علمًا، وأمرنا بالنظر والتفكر والسير في الأرض لنفهم إجماله بالتفصيل الذي يزيدنا ارتقاء وكمالا، ولو اكتفينا من علم الكون بنظرة في ظاهره لكنا كمن يعتبر الكتاب بلون جلده، لا بما حواه من علم وحكمة [2] .
وتظهر أهمية دراسة السنن الإلهية في الكون والقرآن الكريم عندما يظهر أن هذه السنن بصفاتها السابقة وسماتها الثابتة تتلاقى مع السنن الكونية التي تجري على سائر البشر، فتعلم أن الثانية وجه آخر للأُولي؛ بل وطريقة مأمون
(1) تفسير المنار، جـ 4 صـ 114، 115، بتصرف يسير.
(2) انظر: تفسير المنار، جـ 1 صـ 20، 21، بتصرف يسير.