فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 89

للدلالة على الله تعالى من أقرب طريق وهو طريق النظر في (الأنفس والآفاق) التي قال عنها القرآن الكريم: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [1] .

فالعلم بالسنن الإلهية من أعظم الوسائل لكمال العلم بالله تعالى وصفاته وأفعاله، وأقرب الطرق إليه وأقوى الآيات الدالة عليه، وأعظم العلوم التي يرتقي بها البشر في الحياة الاجتماعية المدنية، فيكونون بها أعزاء أقوياء سعداء، وإنما يرجى كمال الاستفادة منه إذا نظر فيه إلى الوجه الرباني والوجه الإنساني جميعًا [2] .

وهذا النظر إلى السنن يجعل الإنسان أقدر على التعامل مع سنن الكون ونواميس الحياة الثابتة بلا تغير، المطردة بلا توقف، الماضية على الأفراد والجماعات والشعوب، وهذه المعرفة لسنن الله تعالى في الآفاق والأنفس لا تقل في أهميتها عن معرفة قوانين المادة والتعامل معها، «فإن لسلامة النظرية أثرًا هامًا في الوصول إلى الحل بلا توقف الحل على صحتها ومقدار وضوحها .. ومن أكبر الظلم الذي ينزله الإنسان بنفسه أن لا يرى العلاقة التسخيرية الموجودة بين الإنسان والكون والمجتمع (الآفاق والأنفس) ، فيهمل نفسه ولا يضعها في المكان الذي يسخر الآفاق والأنفس على أساس السنن المودعة فيها [3] .

وإذا نظرنا إلى مجال من مجالات المادة كالطب مثلا، أدركنا مدى أهمية دراسة السنن ومعرفتها؛ «فالطب بما وصل إليه من كشف قوانين الصحة والمرض العضوي للكائن الحي مكن الطبيب بواسطة هذه القوانين وتسخيرها من التغلب على الأمراض والآفات، فالذي يعلم هذه القوانين يمكنه أن يستخدم إزاء المرض إجراءات فورية في الدواء والغذاء والعمل، وأخرى مرحلية لإعادة التوازن إليه. إن الذي يمكن أن يقوم بمثل هذا العمل هو من يعرف القوانين التي يخضع لها الكائن الحي، بينما إنسان آخر لا يعرف القوانين ولا كيفية التدخل لإعادة التوازن، فهو ينظر إلى المريض ويرى آثار المرض من الآلام والعجز عن الحركة وعن القيام بمهمات الحياة اليومية، بينما يرى هذه الآثار واضحة مؤلمة لا يستطيع أن يتدخل فيها، ولا يمكنه أن يدرك مقدار الخطورة، ولا الوسائل القريبة أو البعيدة التي ستنقذ هذا المريض أو تحطمه، إنما يملك فقط أن يذرف

(1) فصلت: 53.

(2) انظر: تفسير المنار، جـ 7 صـ 417، بتصرف يسير.

(3) حتى يغيروا ما بأنفسهم، صـ 14، 15، بتصرف وترتيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت