فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 89

الدمع بغزارة على آلام من يحب» [1] .

وإذا تجاوزنا هذا الجانب الملاحظ من قوانين المادة والذي لا يختلف عليه اثنان؛ لأنه واقع محسوس ومعيش ملموس عند الجميع، إذا تجاوزنا ذلك إلى أمراض المجتمع من تحلل خلقي للفساد وعدم قدرة على الحياة حياة صحيحة صحية أدركنا أنه يوجد تشابه كبير بين الجسد الإنساني والجسد الاجتماعي، في احتياج كل منهما إلى الطبيب المداوي والنطاسي الحاذق الذي يشخص الداء ويصف الدواء، حتى يلبس مريضه ثوب الصحة والعافية ويشفى شفاء لا يغادر سقما، والعجيب في ذلك أن الناس يعون تمام الوعي مدى حاجتهم إلى معرفة قوانين الطب لفحص أجسادهم، وقوانين الهندسة لتصح حياتهم، ولا يدركون الحاجة الماسة إلى قوانين المجتمع أو «السنن الإلهية» . وقد نجد أطباء أجساد كثيرين، لكننا لا نجد أطباء مجتمع على علم بقوانين الله تعالى في الاجتماع العمراني والاختلاط البشري، حتى أثر ذلك في قواعد الفكر لا أقول عند عامة الناس بل عند خواصهم وخواص خواصهم من العلماء، فضلا عن عامة الناس.

إن هؤلاء جميعا الذين نراهم حريصون على المجتمع وصحته وسلامته وإنعاشه من غيبوبته، لا ينقصهم إخلاص ولا حرارة حماس، وإنما ينقصم فهم شمولي يستوعب التعامل مع نواميس الكون وسنن الحياة. «إنهم يبكون على الإسلام الذي أخذ أهله ينحسرون عنه كما يبكي المحب الجاهل على المريض الذي اشتدت عليه وطأة المرض، بينما كان نفعه لهذا المريض أجدى لو سعى ليعلم طريقة علاج المرض، ذلك أن الله تعالى ما أنزل داء إلا له دواء، وما يقال في أمراض الجسم يقال في أمراض المجتمع» [2] .

وعدم إدراكنا لهذا الترابط الموجود بين معطيات الكون هو الذي حرمنا الاستفادة من الكثير من خيره؛ بل يوقعنا في الكثير من شرره؛ لأن قوانين الله تعالى لا تحابي ولا تجامل؛ بل يمضي على اللاحقين ما مضى على السابقين إذا سلكوا نفس سبيلهم ونسجوا على منوالهم.

وإذا تجاوزنا عصر الصحابة الكرام إلى من بعدهم إلى الآن نجد الذين عنوا بالدراسات والكلام في علم السنن بصفة عامة لا يتجاوزون أصابع اليدين، ومن هنا أصبحت نظرتنا إلى الكون والحياة بغير المقياس الذي أرادنا الله تعالى أن نقيس به؛ فالقرآن الكريم يقول عن نفسه: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ

(1) السابق، صـ 17، بتصرف يسير.

(2) حتى يغيروا ما بأنفسهم، ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت